Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠ووهجها، واسترسل في الكلام بطلاقة كمن يقرأ من ورقة مكتوبة. وأَسْتَلُّ ممَّا قال ما يلي: «لقد حاولتُ جاهدا أن أتملَّص من هذا الموقف لعجزي وقصوري، إلاَّ أنَّ أبنائي الأعزَّاء ألزموني الوقوف أمامكم مُكرها … إنَّ أبا اليقظان شخصية عظيمة، لها مقامها في الجزائر، وتنفرد بمكانة متميِّزة في العالم الإسلامي، ومن الصعب الإحاطة بجلائل أعماله في موكب الإصلاح، وبين جموع الإصلاحيِّين. فلقد بذل جهودًا عظيمة في هذا المسلك المضني الذي سلكه، دون أن تفتر عزيمتُه الفولاذية، وهو فاقد للكثير من الوسائل التي تعتبر سلالم للوصول إلى الأهداف المنشودة. فمع افتقار للمادة، هناك ضعف في القوَّة التي تحميه، وقد تحدَّى كلَّ هذه العراقيل بفضل ما قسم الله له من التقوى والعزيمة والأخلاق الصالحة.
إنَّ كثيرا من معلومات الذاكرة تلاشت وتبخَّرت، وحسب ما بقي مدوَّنا فيها، فإنَّ اتِّصالاتي الأولى به ترجع إلى العشرينيَّات من القرن الماضي. ففي هذه الفترة اتَّصلتُ به، وحصل التعارف بيننا، ثمَّ توطَّدت علاقات الأخوَّة التي جمعتنا شيئًا فشيئًا، وفي أوَّل لقاء به رأيتُ فيه شخصا مهيبًا منظرًا ومخبرًا، فذَّ العزيمة، دائب الحركة والنشاط، وشديد الحرص على إصلاح أحوال التعليم.
وفضلا عن اعتباره رائد الصحافة العربية في الجزائر، فإنَّه فاز كذلك وعن استحقاق بريادة التعليم العربي في الجزائر. ومن أجل تحقيق أهدافه في هذا الجانب الأخير، اندفع لتأسيس مدرسة ”النجاح“(1) في مدينة تبسّة، غير محترس من فداحة المخاطر وكيد الكائدين. وهي أوَّل مدرسة عربية عصرية في بلادنا، وجلب لها مدرِّسا من تونس لتأديب كوكبة من المتعلِّمين. وبعد احتفال نهاية سنتها الدراسية الأولى، أقدمت الإدارة الفرنسية على غلق أبوابها، بعد أن نسجت لها تهمة باطلة، فحواها أن المدرِّس الذي يعلِّم فيها تونسي الجنسية، ولا يملك رخصة التعليم في الجزائر.
(1) - المدرسة التي أسهم الميزابيُّون المقيمون بمدينة تبسَّة في إنشائها هي المدرسة «الصدّيقيّة» وليست مدرسة «النّجاح»، والشيخ عدُّون في كلمته لم يذكر مدرسة النجاح، وكما أنّه لم يذكر أنَّ الشيخ أبا اليقظان هو الذي أسَّسها. (م. ن. ب).