Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٦١وبمساعدة أبي اليقظان الذي لا ينتهر ولا يزجر، تسلَّل تلامذة هذه المدرسة إلى تونس لإكمال دراستهم. ولم تنطفئ نيران الحرب الكونية الأولى، حتَّى عاد بهم أدراجهم إلى مدينة القرارة.
لقد تعلَّمتُ من أبي اليقظان ( P) دروسا كثيرة، وبفضله أصبحت قادرًا على كتابة أولى الكلمات بالعربية، لأنَّكم وكما تعلمون، بدأتُ التعلُّم في غير سنِّ أترابي، وباشرتُه متأخِّرا بعد زواجي … ».
عندما كان الشيخ عدُّون يتكلَّم، ساد الهدوء القاعة الكبرى التي ضاقت عن آخرها بالحاضرين، إذ لا ضوضاء ولا فوضى، وكان المنظِّمون يتواصلون فيما بينهم همسًا أو بالإشارات.
على مدار يومين كاملين تناوب المحاضرون المتدخِّلون على منصَّة الإلقاء؛ وبعيدًا عن كلِّ صنوف المجاملات والمدح، فلقد كان الدكتور محمَّد ناصر طائرًا متميِّزًا عن السرب في تحليقه وتغريده. وبالإضافة إلى التزامه الحديث في إطار عنوان المحاضرة المحدَّد له، فإنَّ منهجيَّته الرصينة في تعقُّب مناقب ومواقف الشيخ أبي اليقظان في مضمار العمل الصحفي، بوَّأت مداخلته مصافَّ الأعمال الأكاديمية الموغلة في التحليل والاستشراف. وقد استطاع أن يلهب أذهان المتقَّفين ويشحذها بأسئلته الجريئة والصميمية، التي طرحها لمقاربة نصوص وفقرات من كتابات الشيخ أبي اليقظان الصحفية، والتي امتنع في حوصلة إجاباتها عن إطالة الوقوف أمام الهامشيَّات. وإنَّ الاطِّلاع العميق للدُّكتور محمد ناصر على آثار الشيخ أبي اليقظان في الصحف التي أصدرها، جعله يحسن انتخاب الاستشهادات، وخاصَّة تلك التي تتوافق مع الظرف العصيب، الذي يمرُّ به العراق في هذه الأيَّام، ويتراءى لي بأنَّ شخصية علميَّة ومرموقة وكثيرة الأنفاق، كشخصية أبي اليقظان، لا يمكن سبر غورها، والسير بين صخور دهاليزها إلاَّ لأمثال الدكتور محمد ناصر.