Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢لم يغادر الدكتور المنصَّة إلاَّ بعد أن شنَّف أسماع الملتقين، وزلزل عواطفهم بقصيدة ملهبة و”سفودية“، يدور موضوعها حول العراق المكلوم. ولئن كانت القصيدة قد كتبت سابقا، إلاَّ أنَّ مبرِّر إلقائها يعزى إلى تشابه وتواتر أحداث التاريخ، واستنساخ المآسي النكدة، وتكرار العدوان الغشوم الظلوم على حرمة عاصمة الرشيد المنيعة، ومدن العراق الأخرى التي أبيحت حرمتها، وانتُهكت أعراض شعبه الأبيِّ. وتمور القصيدة بوهج التأسُّف والاغتياظ والإشفاق، وتفضح كلماتها خذلان وانبطاح القريب والجار، وهمود النخوة العربية في النفس الرخوة. ومن سطور التقديم والإهداء، يدرك تأثر الدكتور محمد ناصر بقصيدة: ”أنشودة المطر“ لشاعر العراق الكبير بدر شاكر السيَّاب، والتي لفظ مقطوعاتها حمما هائجة ومائجة، من فرط شوقه وتوقه إلى الحرية والانعتاق، ولكنه تأثَّرٌ عاطفي خالص، دون بصمة اقتباس أو أثارة تناص. وتعبِّر نغمة التشاؤم ”الفوبيا“، أي حالة الخوف من المستقبل ومضموراته في قصيدة الشاعر بدر شاكر السيَّاب عن انقباض نفسيٍّ ممزوج بالحنوِّ، ومدغم بالأمل، في حين أنَّها عند الدكتور محمد ناصر مقرونة بالثورة على التخاذل والخنوع أمام غطرسة إبادية، في نطاق حتمية مغشوشة وجبرية مزيَّفة. ويروى أنَّه في اليوم الذي مات فيه الشاعر بدر شاكر السيَّاب سنة 1964م، تواصل انهمار المطر مدرارًا ورقراقًا، على غير المألوف في تلك الأحواز منذ أمد بعيد. وكان المطر خير مشيِّع له إلى مثواه الأخير.
ولئن نجا عراق الحضارة والتاريخ من طوفان مياه المطر، في شهر مارس الكئيب من سنة 2003م، فإنَّه لم ينج من الاكتواء بشظايا القنابل التي دكَّت مدنه غدرًا، وملأت سماءه دخانا أسود وضبابا كثيفا. وفي مقاطع من قصيدة ”أنشودة المطر“ ينفث الشاعر بدر شاكر السيَّاب زفراته الشعرية، من كلِّ خلية من خلايا جسمه، فيقول:
مطر … مطر … مطر
وفي العراق جوعٌ
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد