كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

فلسطين السليبة لزرعها هناك. وقد نجحا فيما خطَّطَا له. ومعظم نخيل البلح المزروع في الأرض المغتصبة جيء به مسروقا من أرض العراق(1).

أمَّا بقية المحاضرات، فهي في تقديري الصريح، لم ترق إلى بلوغ المأمول منها في معظمها. وهي غالبها كتابات انطباعيَّة، أُعدَّت في استعجال. وقد رأيتُ من المحاضرين من يقرأ من أوراق مسوَّدة مليئة بالتشطيب، وتفرض عليه فوضى السطور التوقُّف بين الحين والآخر، إلى درجة أن ينقطع تواصل حبل الجمل في ذهن الملتقِّي، وترتبك أفكارُه، فلا يكاد يستطيع جمع فكرة ويتمِّمها، حتَّى يجد نفسه مطاردًا بأخرى، لا صلة لها بسابقتها. ومن المحاضرين من قدَّم مداخلة غارقة في المناظير البحثية الشمولية، التي لا يحصل معها أيُّ نفع. وفي لحظة شرود ذهني، كنتُ أسائل نفسي، أين حزم وجدِّية هؤلاء من حزم وجدِّية وصرامة الشيخ أبي اليقظان ( P) رحمة واسعة؟ وكيفما تعاظمت التحجُّجات والتبريرات التي سمعنا بعضا منها، فإنَّها لا تطمع في تسويغ ما لا يقبل التسويغ. ولو كانت همم وعزائم الرجال تقاس بالمظاهر، لرأينا في مثال أبي اليقظان تناقضًا مثيرًا للجدل. ففي كلِّ صوره الأكثر رواجًا، يبدو ضعيف البنية، هزيل الجسم ونحيفا، وإيهابه يستر عظاما من غير لحم أو شحم، ويكاد لا يزن سوى أرطال معدودات، إلاَّ أنَّه أنجز أعمالا جليلة وعظيمة في مشوار حياته. وهنا يكمن وجه المفارقة والعجب؟ وكلَّما زدتُ إمعانا وتحديقا في صورته التي تعلو المنصَّة، وتواجه الملتقين من الجهة اليسرى، إلاَّ وتذكرت قول ”شاستري“: «ليس العجيب في أن يكون الإنسان ضعيف البنية، وإنما العيب في أن يكون ضعيف الإرادة».

وأوَّل درس يستجلى من جهاد الشيخ أبي اليقظان ( P) يدور مغزاه في كون استفاقة الأمم من غفوتها، ونهوضها من كبواتها وعثراتها، لا يحصل إلاَّ باستنهاض إرادات أبنائها، وتحرُّرها من أغلال التكبيل، وأن أبشع الهزائم التي تبلى

(1) - الأهرام الدولي ”جريدة“، 05 ماي 2003م عدد: 425418 ص: 6.

٢٦٢ / ٢٩٠