Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٦٨وفي فرع مدرسة الحياة الابتدائية التي أصبحت تحمل الآن اسم مدرسة: ”الشيخ أبي اليقظان“، جمعتني جلسةٌ حوارية بمدير مدرسة الحياة (الأمِّ) الشيخ بكُّوش قاسم بن موسى، وهو رجلٌ هادئ ووقور، ومن صنف الرجال الذين يسهل عليك أن تنسج معهم وشيجة علاقة في طرفة عين؛ لأنَّك تأنس به بسرعة، وترتاح له. ومثلما هو محبٌّ للمناقشة الهادئة، ومتفتِّح على قبول الرأي الآخر، وإن كان مناقضا لرأيه، فإنَّه يقبل النقد البنَّاء، ولا يتبرَّم منه، ويحسن الإصغاء إلى جليسه، ولا ينفر من أسئلته.
خضتُ معه في البداية مناقشة حول دور التعليم في المحافظة على تراث الأمم ونقل خبرات الشعوب، وانعطف بنا الحديث إلى السبل التي تضمن ترشيد وتجويد مردوده في الفصول الدراسية. وركَّزت في الفرص الممنوحة لي للكلام على مساوئ ومعايب التلقين السلبي، وعلى عرقلة الإلقاء تطويرَ قدرات المتعلِّمين لما يكون الهدف الأسمى للعملية التربوية النظامية هو تكوين المواطن الصالح، وإعداده لتحمُّل مسؤولياته في المستقبل، والتفاعل في تساوق وانسجام مع محيطه الاجتماعي، وإعداد العدَّة للتعايش مع المستجدَّات التي قد تطرأ، والنهل من مفرزاتها عن تبصُّر ونظر. وكنت كلَّما أسهبتُ في شرح أية نقطة أثيرها، إلاَّ وطالبني الشيخ قاسم بكّوش بوجهه البشوش استعراض أمثلة من أرض الواقع، توضِّح ما تضمَّنته آرائي. ورغم أنَّ الاستطراد في الحديث في مثل هذه المواضيع شيِّق ومفيد، إلاَّ أن ضيق الوقت حتَّم العدول عن مواصلته.
ولما كنت على علم مسبق بأنَّ الشيخ بكوش قاسم قد تربَّى مكفولا من طرف الشيخ أبي اليقظان ( P)، والذي دفعته الظروف إلى الزواج ثانية من والدته، تحمّلَتْ معه نصيبا من مشاق جهاده الطويل، استأذنتُه ولوج هذا الركن المغلَّف بطابع الخصوصية. فرحَّب كالعادة، ولم تكن أسئلتي بعدئذ إلاَّ لفتح شهية الكلام.
حدَّثني الشيخ بكُّوش بنبرة هادئة قائلا: «توفِّي والدي ( P) وأنا لم أُفطم بعد، ولم يتجاوز عمري السنتين. ولما كتب لوالدتي - طيَّب الله ثراها - أن تتزوَّج