Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩أبا اليقظان، صادفتُ فيه من استخلفني في والدي، وعوَّضني فقدانه، وكنت متعلِّقا به وأدعوه أبي. وكان يغمرني بعطفه وحنُوِّه، ويشفق عليَّ. ولم يبخل في تأديبي وتربيتي تربية صالحة، وتنشئتي تنشئة مستقيمة وفاضلة على هدي الأدب الإسلامي الرفيع.
وممَّا استرجع في اللحظة الراهنة، من مواقفه التي تعكس صرامته، أنَّه كلَّفني ذات مساء بإنجاز شغل، لم أعد أتذكَّره بالتحديد الآن لطول العهد الفاصل بين الزمنين، وبتفكير الصبيان، فضَّلت تأجيله إلى الغد. وعندما حان موعد تناول وجبة العشاء، ونحن جلوس حول المائدة، فاتحني في الموضوع مشيرًا إلى تقصيري وإخلالي بالتزامي حياله، ولامني في لطف وحكمة دون تقريع. وحين حاولت والدتي التدخُّل محامية ودافعة عنِّي، طالبها بالسكوت؛ طالما أنَّ الأمر لا يعنيها مباشرة، فالتزمت الحياد دون تملمُل. وأذكر أنَّه قال لي في خاتمة نصيحته الغالية: «من أنبأك بخلوِّ غدك من التزام آخر، يزاحم عمل يومك الذي أخَّرته؟ فقد تتلاحق شواغل غدك تترى، وتشغلك طول ساعاته فما الحلُّ حينئذ؟ وتعلَّمت من هذه الواقعة درسًا مفيدًا ما نسيته إلى يومنا هذا».
وواصل يقول: إنَّ حزم الشيخ أبي اليقظان مبطَّن بعاطفة جيَّاشة ورقَّة قلبية، ولو لم يكن له حظٌّ من هذه وتلك فأنَّى له أن يكون شاعرًا، يقطر نظمه حنانا وعذوبة. وكان من عاداته الراسخة التي واظب عليها إلى آخر مشوار عمره الزكيِّ ارتشافُ كوب شاي معطَّر بالنّعناع بعد صلاة عصر كلِّ يوم، وكوب ثان بعد تناول العشاء. وكان ذوَّاقا مرهفا للشَّاي، إلى درجة أنَّه يُميِّز بين أحسنه وحسنه، ورديئه وأردئه.
وكان من اهتماماته اليومية متابعة وتقصِّي أخبار وأنباء المسلمين والمظلومين في كلِّ أصقاع المعمورة، إذ تظلُّ أذناه موصولتين بإذاعتي ”لندن“ و”صوت العرب“، كلَّما حلَّت مواعيد نشرات الأخبار، ومن طبعه إعادة قراءة ما يسمعه قراءة متأنية وتحليلية، تبرز ما تحفظت عن قوله عمدًا وقصدًا أو نسيانا. ولم أَرَ التأثر بلغ مبلغه الأقصى كتلك المرَّة التي علم فيها، عن طريق