كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٥٤

رُشدي، بعد أن استنطقت الواقع المعيش في وطننا عامَّة، وفي منطقتنا خاصَّة، استنطقتُ الواقع المعيش لأتفحَّص وضعية الثقافة وحظَّها من العناية والحرص، وتشجيع ذويها في مجال الإنتاج والإبداع، إذ وجدت مثل الغيورين أمثالي إهمالاً وإسفافًا وتضييقًا وإعناتًا، يخنق الأنفاس ويرعش الأيدي، فلا تكاد تتصالح مع اليراع والقرطاس، لأنَّ الثقافة مثل الكائن الحيِّ، لا تكون لها صحَّتها ونضارتها إلا في البيئة النقيَّة، التي تتوفَّر على أسباب النماء والازدهار وتُتاح لها وسائل الانطلاق والانتشار.

وإلا فخبِّروني بربِّكم، خبِّروني بربِّكم أيّ قيمة اليوم في مجتمعنا للأديب المُثقَّف؟ وأيُّ مكانة للعالم الحصيف إزاء الأصناف البشريَّة الأخرى؛ ممَّن يحسن النفاق والروغان، ويتقن اللَّفَّ والدوران؟ ويخوض مع الخائضين في كلِّ ميدان، ألا ما أشقى المجتمعات التي تحابي الغشَّ والرداءة وتجفو الإبداع والإتقان.

أيُّها الإخوة الكرام، شكرا لكم وألف شكر … ألف شكر للذين قاموا بهذه المبادرة الطيِّبة، فأنعشوا الأمل وأنصفوا التاريخ، تذكيرًا برموزه وإحياءً لتراث رجالاته، فإنَّ الذاكرة التاريخية مهما علتها رُكامات النسيان، أو احتوشتها أبخرة التخدير، فإنها تنتبه وتستفيق لألطف مَسٍّ يجسُّها، وأخفِّ مسحٍ يصقلها، فإذا بها تكشف المكنوز وتبشُّ للطَّالبين، فها نحن بأزاء عَلَمٍ من أعلام ثقافتنا، ونجم من نجوم تراثنا؛ تسامى في عليائه، فلا يكاد يظهر للأبصار لأنَّ أرقى الكواكب ما استبان ضئيلا.

إنَّه عميد الصحافة المرحوم الشيخ الحاج إبراهيم أبو اليقظان، فإذا كان القرن الماضي محطَّة الانطلاق للنهضة العلميَّة والفكريَّة في العالم العربي الإسلامي عامَّة، وفي وطننا العزيز الجزائر خاصَّة، فإنَّ الشيخ أبا اليقظان يُعدُّ في طليعة الفرسان انطلاقًا في حلَبة ذلك السباق حكمةً ورأيًا، وشجاعةً وإقداما.

لقد تحدَّى الظروف الصعبة في تلكم الحقبة التاريخية، والمستعمر الخؤون يتنمَّر ويستأسد، في مغربنا الكبير ويعتبر الجزائر بالذَّات مقاطعةً فرنسيَّة، يفصلها البحر المتوسِّط، كما يفصل نهر السين بين شطريْ باريس، وكانت الصحافة

٥٤ / ٢٩٠