Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٥٥العربية يومئذٍ أعزَّ من الكبريت الأحمر، بل هي العفريت الذي لا يُفكُّ إساره من القِمقِم إلاَّ وهو مسخٌ من الرطانة والتشويه، ولا تجد مجالاً للإبقاء على الرمق إلاَّ في الكتاتيب والزوايا بين المعلِّم والفقيه، لقد كان جهاد الكلمة يومئذٍ أشدَّ إحراقا من الشُّهب على شياطين الاستعمار، وأمضى اختراقا من الرصاص على قلوب الجبابرة الأشرار، فما طأطأ الشيخُ رأسه أمام استجوابه في كلِّ مرَّة من طرف الجلاّدين، ولا فلَّت عزيمتَه مصادرةُ مختلف العناوين، وهو يجدِّدها في كلِّ مرَّة إلى حين.
لقد شُغف حبًّا بالصحافة، حتَّى أصبحت قوام حياته مثل الهواء والماء، والإنسانُ إذا ما هام حبًّا بشيء فهو لا يبالي بما يلحقه في تحقيق مُراده من إرهاق، فلنستمع إليه يتغنَّى ويقول:
إنَّ الصحافة للشعوب حياة … والشعبُ من غير اللسانِ مَوَاتُ
فهي اللسانُ المفصحُ الذلِقُ الذي … بِبَيانه تُتَداركُ الغاياتُ
فهي الوسيلةُ للسَّعادةِ والهَنَا … وإلى الفضائلِ والعلا مِرقاةُ
حقًّا لقد قدَّم شيخنا لهذا المنبر الحرِّ عُصارة فكره، وحُشاشة روحه، دونما يأس ولا قنوط في سبيل بلاده، التي أُشربها حُبًّا، لا تزحزحه التحديَّات، ولا تنال منه المغريات، ولا تحُدُّ من أفقه ضيق التصوُّرات، وهو يعبِّر عن ذلك فيقول:
إنْ خِلْتُ شمسًا قلتُ بلادي أو طَلّ بدرٌ قُلْتُ بلادي
أو لاحَ نَجْمٌ قلتُ بلادي أضنَانِي حُبِّي لبِنتِ الكرَامِ
وهو يرى كلَّ بلد عربي مسلم وطنا له، لا تعزله الحدود، يعيش واقعه، سرورًا واستبشارًا بمنجزاته وانتصاراته، أو ألما وتحسُّرًا لضوائقه وانكساراته، وقد شاءت حكمة الله أن يواكب كلَّ التطورات الكبرى، خلال القرن الماضي؛ ليصبح أحد الحُداة المرموقين في موكب الإصلاح والتغيير، على ما في الطريق من أشواك وخنادق تعرقل المسير، فآثر أن يكون في صميم الحركة الوطنيَّة تأسيسًا