كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان جمعية التراث

Nouveau Microsoft Word Document

الجزء ١ · صفحة ٩٤

لقد اعتبر الفرنسيُّون عام 1930م انطلاقة مرحلة جديدة من الانتصارات في الجزائر، حيث دخلوا القرن الثاني من احتلالها وهم في غمرة من النشوة والزهو، معتقدين بقاءهم فيها إلى الأبد، فرفع الغلاة منهم شعارات معادية للعرب والإسلام واصفين احتلالهم للجزائر؛ افتكاكا لها من الحضارة الإسلامية، وإعادتها إلى الحضارة الرومانية التي ينتسبون إليها، آخذين بقبضة من حديد أزمَّة الأمور، خانقين أنفاس كلّ من سوّلت له نفسه من الجزائريّين محاولة تنظيم سياسي؛ معتبرين ذلك إجراما، وكفرانا بنعمة فرنسا عليهم، أو خيانة وعمالة لدولة أجنبيَّة.

هكذا خنقوا حركة الأمير خالد في مهدها، وحلُّوا حركة نجم شمال إفريقيا، وأجبروا النواب المستقلّين على الانصياع، وأوجدوا من حولهم بطانة لا تعرف إلى المعارضة والرفض سبيلا.

في هذا الفراغ صفا الجوّ للمعمّرين، فغدوا هم السلطة الحقيقيّة في البلاد، يمارسون ضغوطهم على الحاكم العامّ والأجهزة الإدارية والمالية، ويؤثّرون بممثّليهم ودعايتهم وأموالهم في كواليس البرلمان الفرنسي ووسائل الإعلام، وحتّى في الحكومة الفرنسيّة المركزيّة بباريس. غير أنَّ اشتداد الأزمة يحمل بين طيّاته بشائر الانفراج، فلم يكد يسدل ستار الاحتفالات بالذّكرى المئوية للاحتلال حتّى بدأ ميزان القوى يتغيّر لصالح الحركة الوطنيّة، رغم استمرار الضغوط عليها.

فمن جهة تعرّضت فرنسا لأزمة اقتصاديّة حادّة، على غرار أوروبا وأمريكا، ساعدت كثيرا على الكشف عن نقاط ضعفها في المستعمرات، ودخلت بذلك في دوّامات عدم الاستقرار داخليا وخارجيا، ومن جهة أخرى واصلت حركة النجم نشاطها في السرّ، حتّى أعلنت عن نفسها من جديد باسم حزب الشعب الجزائري؛ ابتداء من سنة 1937م، واشتدّ عوده في كلّ من الجزائر وفرنسا، كما شكّل ميلاد جمعية العلماء سنة 1931م ظهور تحوّلات عميقة في الذهنية الوطنيّة، وهزّة عنيفة لكيان المجتمع ومستقبل الأمَّة في الجزائر، بالإضافة إلى جماعة النخبة من النواب وغيرهم، الذين نزعوا إلى الاستقلال بآرائهم تدريجيًّا والإلحاح في مطالبهم وبقوّة

٩٤ / ٢٩٠