Nouveau Microsoft Word Document
الجزء ١ · صفحة ٩٧ورغم أنَّ كِلا القسمين يشترك في مضمون المحاور الثلاثة المذكورة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يعني أنّهما متّفقان في كيفية تناولهما لهذه المحاور، إذ يوفّر الأوّل مادة تاريخية خاما، ومصدرا مجرّدا لمعلومات يمكن أن تسهم بقسط كبير في كتابة تاريخ الجزائر المعاصر، على غرار المصادر التاريخية الأخرى. وبقدر ما تجتهد هذه الصحيفة أو تلك في التقرّب من مصادر الخبر، وتوخّي الحقيقة، وتحرّي الصدق، وتجنّب التسفّل والتشهير والقذف المغرض، واستبعاد الأقلام المرتزقة الرخيصة، بقدر ما تقترب مادّتها الإعلامية من الثقة والمصداقية التي تنشدها الأبحاث التاريخيّة.
والحقّ أنَّ الشيخ أبا اليقظان ظلّ في جميع كتاباته الصحفية شاهرًا سلاحيْ الصدق والصراحة، وكانا السبب المباشر لمنع صحفه الثماني من الصدور، وسقوطها واحدة تلو الأخرى شهيدة الواجب.
هاهو ذا يتحدَّث عن موقفه هذا بقوله: «لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيّ شخصية لأيّ رجل، بل أتّخذ الحقّ فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى، ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصراحة والصدع بالحقّ قدر الإمكان، سيما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد أو خيانة أو مروق من الدين، أو فسوق أو تهتّك في الأعراض … »(1).
مثلما آلَ الشيخ أبو اليقظان على نفسه بهذا الالتزام، فإنّه كان يوصي الكتّاب في صحفه بذلك كشرط لنشر مقالاتهم. ومن ذلك وصيّته إليهم «ليتحرّوا الحكمة والنزاهة والاعتدال، وأن يتجنّبوا الأشخاص والشخصيات والمناقشات الفارغة، وأن يترفّعوا عن مواء القطط، وعواء الذئاب، وهرير الكلاب، ( … ) فالتّسرّع في النقد والتعجل بالحكم مضرّ، وكذلك إساءة الظنّ، دون احتمال الوجوه الحسنة لها». ويؤكّد أبو اليقظان بأنّ «الإنسان قد يخطئ، وسبحانه المنزَّه
(1) - صحف أبي اليقظان مخ، ص: 120 /د. محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة، (ش و ن ت)، الجزائر، 1980.