مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٣

إن المتأمل في ديوان أبي اليقظان لا يملك إلا أن يقف متأنيا إزاء ذلك المدخل الذي صدر به ديوانه في الثلاثينيات من هذا القرن، حيث كانت النخبة الفكرية الجزائرية آنذاك تسير في فلك الغرب أو الشرق، بينما نجد شيخنا في هذا المدخل قد تميز، وتفرد عن أقرانه بما تناوله من أفكار -نزعم أنها جريدة- بالنسبة لفترته على الأقل، وبخاصة في الجزائر، وليس هذا الكلام مدحا للشيخ وإنما ننطلق من إنتاجه الذي ينطق بما نذهب إليه -حسب فهمنا- لهذا المدخل، إن تفحصناه، وتقصينا ما فيه من أفكار نقدية، نجد الرجل ينطلق في تعريفه للشعر من منطلق إيماني، فالشعر عنده ((وحي من الخيال على النفس)) فهو إلهام علوي "يثير النفس فإذا بها تهتز لا تستطيع حبس ما بداخلها، فتدفعه إلى اللسان الذي يرسله بدوره إلى الخارج -المتلقي- فإذا به نور مرسل من الشاعر ليضئ به بطون الليالي المقبلة -عبر العصور- مستشرقا المستقبل. فالشعر إذن روح يودعها الشاعر في شعره، ولا يتأتى لهذه الروح أن تتجلى إلا بقوة البيان "السحري" الذي يمتلكه الشاعر لقوله: ((الشعر نور يرسل الشاعر أشعته من نوافذه فيضئ بطون الليالي))، ولا يمكن أن تكون هذه العملية شعرا إلا إذا حركت "المتلقي" وهزته من الأعماق، وأحدثت فيه استجابة وتغييرا، سواء أكان ذلك العمل الإبداعي شعرا أم نثرا، أما "الشعر" الموزون المقفى الذي لا يقوم بتلك المهمة فهو نظم حسب رأيه.

ونستخلص مما سبق أن شيخنا يرى أن ماهية الشعر هي الروح أو الوحي، وأن منبع الشعر هو الخيال العلوي وليس الواقع أو إعادة تشكيل الواقع كما يذهب البعض، أي أن الرجل ينظر إلى الشعر نظرة مثالية من جهة، ومن جهة أخرى فإن شاعرية الشاعر لا يمكن أن تبرز إلى الوجود إلا إذا سبكها الشاعر بأسلوبه الخاص أي "بالبيان السحري".

١١٣ / ١٧٧