مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٤ولعل شيخنا يريد أن يقول بأن الشعر من حيث الفكرة هو من قوى خارجية علوية، وأن ما يملكه الشاعر هو الصياغة الفنية، وهذا التعريف يشبه تعريف علماء الحديث للحديث القدسي ((أما المعنى من عند الله عز وجل يلقي إلى الرسول بكيفية من كيفيات الوحي، والألفاظ والصياغة من عند رسول - صلى الله عليه وسلم - ))، ومن جهة ثالثة فإن شيخنا -حسب فهمنا- يذهب إلى أبعد من ذلك، فالشعر في رأيه لا يتمثل في الوزن، والقافية فحسب، بل إن كل ما أثارك وحرك وجدانك، وجعلك تستجيب له، فهو الشعر، أم المنظوم الذي يقوم بتلك المهمة فليس بشعر.
أما وظيفة الشعر كما يراها شيخنا فهي تتجلى في ذلك الشعور الحي والإحساس الرقيق، والاهتزاز القوي الذي يحدثه هذا الشعر في المتلقي، مما يجعل جوارحه (المتلقي) تمتثل وتستجيب له، فالشعر إذن محرك، وموجه للإنسان، لأن الشاعر صاحب رسالة ربانية كما يراها صاحبنا، ولأن الشعر ميزان توزن به الأقوال، ومعرض تعرض فيه جلائل الأعمال، وحافظة لمآثر الإنسان على مر الأزمان.
فإذا كان ذلك هو الشعر، وتلك وظيفته فكيف يتلقاه المتلقي؟
يقول شيخنا: ((إن ذلك يكون عن طريق السمع، ومنه إلى النفس التي تستجيب له فيكوّن فيها إحساسا رقيقا، وشعورا حيا، ومنها ينتقل إلى القلب، فيحرك أوتاره، فتهتز أعصاب المتلقي، مما يجعل الجوارح تمتثل لهذا الشعر)).
يتبين لنا أن هذا التعريف لعملية التلقي، تعريف نفسي إذ يعتمد على الإثارة والاستجابة وهذا دليل على عمق ثقافة الشيخ وإلمامه ببعض العلوم والمناهج الحديثة. وبعد ذلك ينتقل بنا الشيخ إلى مذاهب الناس من الشعر، أي النقاد، حيث يستعرض جملة من الآراء وفق منهج نقدي محدد، مناقشا هذه الآراء بالحجج والبراهين، مما يدل على أنه متمكن من مادته، مستوعب لمنهجه، مسيطر على الموقف.