مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٥

فالنقاد بالنسبة للشعر -حسب رأيه- أصناف، فالصنف الأول "منهم من يحكم بفساده -الشعر- ويرى أنه مظهر من مظاهر اللهو والغناء، والسخف والمجون ولأنه ينافي المروءة والفضيلة ولو كان حسنا لما تنزه عنه مقام الرسالة، فيرد صاحبنا على هذا الصنف ردا مقنعا ممنهجا إذ يقول: ((فإذا كان مافيه من سخف دليلا على فساده فالأولى أن يفسد النثر، ولنفضل العي على الفصاحة، والخرس على الكلام، لأن في النثر من ذلك ما يربو على مافي الشعر أضعافا من السخف والمجون… كما أن الحكم بفساد الشعر غير حجة على الشعر نفسه، وإنما نشأ عن عدم تثقيف الشعراء وتربيتهم تربية صحيحة، كما أن الحكمة من نفي الشعر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ليست راجعة لفساد الشعر أو الكتابة، وإنما هي لإقناع البشر بأن ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس شعرا وليس نثرا، وإنما من عند الله، إنه القرآن المعجز… وإن الذي يستروح بقوله تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ﴾ لفساد الكتابة، ومن ثم تعطيل وتوقيف دولاب حركة العالم.

أما الصنف الثاني حسب أبي اليقظان ((لا يحكم بفساد الشعر ولكنه يرى أنه فضل واشتغال بما لا يعني، ومدعاة للرياء، والفخفخة، فالزهد فيه أجدر، والتنزه عنه أولى))، وهكذا ينبري صاحبنا لهذا الصنف مناقشا إياه مناقشة علمية بحجج دامغة، قائلا: ((لو كان الشعر فضلة لكان النثر كذلك ولفضلنا كسر الأقلام، وكم الأفواه، وبذلك نصادر غريزة من غرائز الإنسان الطبيعية… ولأنهم إما عاجزون وإما حاسدون، فأولى أن يسكتوا وأن يبتعدوا عن هذا المجال فالرياء لا ينشأ من قول الشعر إنما يعود إلى قلة الإيمان وقلة اليقين، وأن الفساد لايزول بالهروب منه بل يزول بقطعه واستئصال جرثومته)).

١١٥ / ١٧٧