مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١٩

فصاحبنا يؤمن بتدفق الشعور الحر، ومن جهة ثانية فهو يؤمن بصفاء الخيال والذهن والفطرة، والتفرد. فهو يؤمن أن يكون للشاعر طابع شخصي يلمسه القارئ ومن ناحية أخرى فإن الشاعر الموهوب يرى بأنه يقع له المد والجزر، وذلك حسب الظروف والأحوال النفسية، مما يدل أن الرجل يعترف كذلك بأثر المحيط في النفس وأثر ذلك على شعر الشاعر رغم أنه يرى من الوجهة الفكرية أن الشعر وحي لا دخل للشاعر فيه -كما قلنا سابقا- كما يلح من جهة أخرى على رسالة الشعر في الحياة مادام هذا الشاعر مطبوعا موهوبا، ليقوم بمهمة إنسانية في الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى ما خلقه مهبط حكمته، وكشف له من الحقائق ما أخفاه عن غيره إلا ليعيش حرا عزيزا ومرشدا أمينا، لا عبدا مهينا ومضلا خائنا معطلا. فالشاعر عنده (بمثابة الرسول) إذ أن الله كشف له بعض الأسرار وخصه دون خلقه ليكون قائدا للأمة ومرشدا أمينا ومحررا لها من ربقة الاستعباد، فالشاعر ينافح عن الحق، ويُمكن له مما يتطلب منه الصدق والنزاهة وجمال الاستقامة، وأنه كلما بهذه الصفات كلما ازدادت قريحته نبوغا وانكشفت له أسرار العالم، فهو كالتقي الورع الذي يرى ما يراه غيره، بهداية من المولى عز وجل، يقول أبو اليقظان: ((بهذا تنمو ملكاته وتغزر مادته وتفيض قريحته كما يبشر به قوله تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ ، وقوله: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ ، فالشعر عند شيخنا مقاصده نبيلة شريفة تقرب صاحبها من قمة الجلال والكمال الإنساني، والشعراء ((لو استقاموا في تعاطيه واتقوا الله في سلوك مناحيه مع أوتوه من البراعة الفائقة والخيال النادر والبيان الساحر لبلغوا به غاية الجمال ولرقوا به قمة الجلال والكمال، ولكانوا هم ملوك الشعوب والقلوب))، وهكذا نرى أن الاستقامة من أهم شروط الشعر عند شيخنا فهي ترفع الشاعر إلى عليين في رأيه.

١١٩ / ١٧٧