مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١٢٠ولعل هذا ما جعله يقسم الشعراء في أغراضهم الشعرية إلى أقسام ويعيب على أولئك الذين جعلوا من هذا الشعر وسيلة للتكسب أو الجاه أو الغريزة أو إيقاد الفتن، إذ يرى أن هؤلاء هبطوا بالشعر من عليائه، وجعلوا الإنسان في منزلة الحيوان، والحيوان في منزلة الإنسان المكرم، لأن هؤلاء (هم الذين شوهوا وجه هذه الصناعة الشريفة وفتحوا فيها ثلمة لنقد الناقدين، وطعن الطاعنين، وصاروا حجة عليها لا لها في نظر بعض الناقمين)).
ونتيجة لما سبق نراه يشترط في الشاعر العفة، والنزاهة وعلو الهمة والشهامة، وسعة الاطلاع، وصحة الخيال، وسلامة الذوق، وراحة البال والعقل، وصفاء الذهن، واجتماع الهمة، وإقبال النفس مما جعله يلتقي مع الأقدمين وبخاصة أبي تمام في وصيته للبحتري، وكذلك آراء محمد تباطب في كتابه عيار الشعر، غير أن شيخنا يضيف شرطا أراه ذا أهمية وهو اطمئنان الخاطر وراحة البال لكي تستقبل مرآة خياله هذا (الوحي الخارجي) ويرتسم فيها، وكأن بمخيلة الشاعر -في رأيه- (ردارا) مستقبلا يستلزم الأحوال الجوية الصافية، ومن ثم يقوم بتحويلها إلى الجمهور، يقول الشيخ: ((أن يكون مطمئن الخاطر مرتاح البال، غير مشغول بما يشوه مرآة خياله التي يجب أن تكون في غاية ما يكون من النقاوة والصفاء لترتسم فيها الحقائق وتترآى له فيها اللطائف والدقائق حتى يتسنى له أن يولد من دماغه العرائس الغواني من المعاني ويكسوها حللا شفافة من المباني، ويزفها للقلوب قبل الآذان وللنفوس قبل اللسان)).
وهذا ما جعله ينصح بالابتعاد عن قول الشعر في حالات الغضب والهيجان والمشاحنات والحوادث المهولة المؤثرة ((لأن قوة الخيال ترسب تحت مطاوي هذه الأمواج المتلاطمة العظيمة)).