مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

وقد أوضح الشيخ أبو اليقظان ذلك في حديثه عن الأمم الجاهلة في قوله: ((وعبثا تحاول تنبيهها وإيقاظها، تفنن في الكلام ما شئت، وتنوع في أساليب الإنذار والتحذير ما أردت، فهي لا تفهمك ولا تعرف ما تقول، بل لا تسمعك إلا كما يسمع النائم صوت منبه وهو في أضغاث أحلامه… ومن أين يتسرب إليها إذاً بصيص من نور العلم أو تعرف قيمة التعليم، اللهم إلا ما يكون من قبيل المحاكاة، كما يكون من الصبي لا دخل للاقتناع فيه أصلا، ومالا يكون عن اقتناع فهو عرضة للتلف والضياع والآفات)).

ولا يتوقف الشيخ أبو اليقظان في تحليله للعلاقة التي تربط الوعي الحضاري بالوعي التربوي عند هذا الحد، بل يزيد ذلك شرحا وتشريحا، وتدقيقا وتفصيلا، ذلك أن شعور الأمة بذاتها يثير حاجتها إلى خبرات تربوية أعقد، ومستوى تحصيلي أجود، وقدرات أكثر نبوغا وتفوقا، باعتبار هذه الحاجات ضرورية بالنسبة إلى الأمة كي تحافظ على كيانها في ريادتها الحضارية وصدارتها التاريخية، من حيث إن الأمم المتحضرة على حد وصف الشيخ ((طارت بالتعليم في أجواز الفضاء، وغاصت أعماق البحار، وطوت القفار والبراري، وسخرت الأثير، وانطقت الجماد)) لأن أهل هذه الأمم ونوابغها ((نبتوا في أمة عرفت قيمة العلم والنبوغ، وعرفت كيف تستثمره، وكيف تحميه من الآفات)).

ويذهب الشيخ أبو اليقظان في تحليله العميق هذا، ومقارنته الوجيهة تلك، إلى أن أبناء هذه الأمم المتخلفة منها والمتحضرة، لايتفاوتون في القدرات العقلية والمواهب الفطرية والطاقات الذاتية ((فلا ينقص أولئك من هؤلاء شيء من المواهب والنبوغ، بل ربما يوجد بين الأولين من هو أذكى نفسا وأحد فطرة وأزكى فطرة)). إلا أن نبوغهم كان ضائعا وطاقتهم مهدورة وقدراتهم كامنة لأنهم ((نبتوا في أمة جاهلة لقيمة العلم والنبوغ، وإذا عرفت شيئا منه، فلا تعرف كيف تستثمره، وإذا عرفت شيئا من ذلك فلا تعرف كيف تحميه من الآفات والعاهات)).

١٣٠ / ١٧٧