مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢١المقدمة : وجاء من أقصى المدينة، بواد غير ذي زرع، على ضفاف وادي ميزاب، ومن واحة القرارة الخصيبة بالجنوب الشرقي من الوطن الجزائري جاء رجل معمم، يرتدي الزي الجزائري العربي الإسلامي، ويحمل "قوت الأرواح" ممثلا في كتاب الله وسنة رسوله، وخلق السلف الصالح.
رجل أوتي من علامات النبوغ والعبقرية ما جعل جوانب العظمة فيه تتخذ ميادين شتى، وهو ما يربك الدارس له، لأنه لا يستطيع أن يختصر ما يجب أن يقال عنه، فخطورة التحدي الطبيعي، السياسي والثقافي، شحذت عزيمة أبي اليقظان، وقوّت إرادته وجعلت صلابة الاستجابة لديه تستهين بكل مخاطر التحدي، فانفلقت، فكان "القلم المدفع" و"الكلمة القنبلة" و"الثقافة الذخيرة" و"الروح الفولاذية".
إن هذه الخصائص هي التي ألانت قسوة الطببيعة الصحراوية أمام أبي اليقضان، فحوّلها إلى ينبوع واحة، يستوحي منها شعره المقاوم، وشعوره الوطني، وإن هذه الطبيعة الصحراوية هي التي أكسبته صلابة الإيمان بربه، ودينه، ووطنه، فاستهان بكل أنواع الشرك العقدي أو السياسي فكان يواجهه بسبابته "البلالية" "أحد..أحد" وبشعاره الإصلاحي الوطني "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا".
ذلك هو إبراهيم أبو اليقظان الشاعر، والصحفي، والداعية، والمصلح، الذي يخوض في كل ما يمت إلى قضايا عقيدته، ووطنه وأمته بصلة، فقد وهبه الله ثقافة الأقدمين الموسوعية، فجعله يعالج الظاهرة الإنسانية، والمجتمعية، بكل ميادينها المعقدة… ولعل الصعوبة المنهجية في دراسة فكر أبي اليقظان، إنما تتجلى في تداخل هذه الظواهر الإنسانية في فكره، فكل ظاهرة منها تغري بالدراسة والبحث، وتفرز جوانب تصلح لأن تكون محطات وقوف وتأمل، فالانتماء الوطني، أو القومي، أو الإسلامي، هو أكبر الدعامات التي يقوم عليها فكر الرجل، فإذا عمقت النظرة في أبعاد هذا الانتماء، انكشفت لك أدوات وآفاق كلها تسلمك إلى هدف مجتمعي نبيل.