مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٣٧

ويمنح المصطلح تحديدات شتى، فيها الجد وفيها الهزل. فيخلص في النهاية إلى هذه الحقيقة ((تلك هي ٍ[السياسة] التي أخاف منها… فإنها لاذعة ولاذعة حقا، ويعاقب عليها القانون عقوبة كبرى، وربما بالضرب بالسياط من فوق الثياب أو بمباشرة الجسد، ولو سالت الدماء… وربما بالسجن لمدة أو مدد، وقد يكون ذلك في الحبس (الابتدائي) وقد يكون في (الثانوي) الذي يحصل فيه الإنسان على لقب (الكبران) أو (الكونطرولور)).

ويمضي أبو اليقظان، بهذا الأسلوب الخفيف في إبراز مخاطر الاشتغال بالسياسة في الجزائر، وما تجره على أصحابها من ويلات فيرفع صوته بهذا التحذير: ((لا أنطق بها ناسيا، ولا أتعمده، ولا أظنه، ولا أشك فيه، ولا أتوهمه، ولا أحدث به نفسي… فإن أرغمت وأجبرت، وألجأتني الضرورة -لا قدر الله- واللهم يا لطيف على النطق به، فإني استبدله (بال…بو.. لي…تيك)، إذ أن لهذا اللفظ معناه الخاص في دائرته الضيقة المحدودة، وحدّة الفاصل بين ما هو من السياسة -أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزلة- وما ليس منها…)).

إن بين السياسة والبوليتيك، إذن حداًّ دقيقا ورفيقا، ولكنه بون عميق أيضا لا يدركه إلا ذوو المشاعر المرهفة من أمثال أبي اليقظان، الذين اكتووا بنار السياسة، وعذاب البوليتيك. وقد حاول مفكرنا أن يستنجد بفقهاء العلم من العارفين بعلم السياسة، وقواعد نحوها، وتصريفها، عله يجد "قطرا يبل الصدى" فما خرج حتى بخفي حنين.

يقول باثا شكواه إلى قرائه: ((وقد راجعت معيار العلوم للغزالي، والسلم وحواشيه [في المنطق] فوجدت أن لفظ "البوليتيك" جامع مانع، ومطرد منعكس، يدخل فيه ما هو سياسي أو يخرج به أو عنه ما ليس بسياسي، بخلاف اللفظ الآخر المشؤوم [السياسة] فإنه يمتد ويسترخي ويتمدد مثل الكاوتشو (أي المطاط)، ويتمطط كليل امرئ القيس [من شدة المعاناة] لما تمطي بصلبه..)).

٣٧ / ١٧٧