مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٤٥بهذه النظرة الشمولية، عالج أبو اليقظان قضية اللغة العربية في الجزائر، فخلصها بذلك مما يحاول بعض المغرضين حصرها فيه، وهي أنها لغة قوم أو قومية ضيقة، نازعين منها أقدس مقوم ألا وهو المقوم الإسلامي، ومحررا إياها أيضا من الخانة الاستعمارية التي تحاول أن تقدمها للناس على أنها لغة عبادة في المسجد لا تراوح ذلك. في مواجهة هذه الأباطيل كلها جاءت صرخات أبي اليقظان لتخرس ألسنة المفترين، ولتوقظ عزائم النائمين.
ولعل مما نسوقه من شعره هو كثير في هذا المجال أبيات نقتطعها من قصيدته العصماء التي ألقاها في تدشين مدرسة الحياة الجديدة والتي مطلعها:
وفوزا خالدا بعد الممات
بنجلك نحو مدرسة الحياة
وحفظ كتابنا ذي المعجزات
وهل بسواه ساد بنو الشراة
إذا ما رمت عزا للحياة
فخذلك سلما للعلم وانهض
تعلم ديننا الحنفي سمحا
وعلم لساننا العربي طبعا
ولا نغادر مجال اللغة عند أبي اليقظان دون التطرق إلى أسلوبه الأدبي، وتوظيف هذا الأسلوب في حمل المعاني، وبث الوعي بطريقة ذكية جدا في ضمائر بني وطنه وأطرف ما يساق في هذا الصدد، نقتطفه مما جاء على لسان عصفوره وبإمضاء فلاح البستان: ((سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري وكان العصفور ذكيا، شيطانا، فأجابني عنه بما أقنعني وتركني باهتا لإصابة نظرته وهو: لماذا تكره النياشين، إذا رأيتها معلقة على صدور ذوي اللحى والبرانيس بأنواعها…؟ أرأيتم كيف أن مقدمة السؤال توحي بنوع معين من الإجابة، وإنما توضع المقدمة المنطقية التي يتفق عليها الجميع، وهي "كره هذه الشرذمة الممزقة من الأهالي" التي تمثل مسخرة اجتماعية تتجلى في النيشان الفرنسي، واللحية الإسلامية، والبرنوس الجزائري.
ويكون الجواب -على لسان العصفور- من نفس السؤال:
- عصفوري: نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي الصياد وعلى كتفه بندقية ليقتنصني.
- ولماذا؟