مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٥٠

توطئة: من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ومنهم من يراه تقليدا لغيره، ومنهم من يراه بكل جوارحه الظاهرة منها والباطنة، وهذا أفضل الشعراء، ومن هنا حصل الاختلاف في الرؤى الشعرية.

إذ تختلف رؤى الشعراء للكون والحياة وباختلاف بنياتهم الفكرية والنفسية والروحية باختلاف قدراتهم ومواهبهم الفطرية، لذلك نجد من الشعراء من يرى الكون من خلال حس غيره وبنيته الفكرية والنفسية والروحية، وهؤلاء من أَرْدَإِ الشعراء؛ لأن أدبهم الذي ينتجون يقوم على التقليد ويقف دون الإبداع والتوليد، وهذا النوع من الشعراء كثير، وفي الغالب الأعم يكون مؤشرا من مؤشرات السقوط الحضاري للأمة والانهيار الأدبي للشعوب، وهذا ما يلاحظ في أدب العصر الحديث ولا سيما التغريبيين. وقد نجد من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ولكن زاوية النظر التي يرى الكون من خلالها لا تكاد تتجاوز الحسن الظاهر، فتراه يعمد إلى تصوير الواقع الذي يراه، ويعجز عن تفسيره وتعليل حركته، لأنه لا يملك القدرات التي تسعفه على تخطي الحواجز واختراق الحجب المادية التي تعطل رؤيته للكون لافتقاره إلى النظرة القلبية والروحية التي تملك تلك القدرة العجيبة التي تمكن الشعر والشاعر من الغوص في أعماق الأشياء والإنسان والكون والحياة لتعرف كنهها وتسبر أغوارها.

وهذا النوع من الشعراء وصّاف للظاهر، وقاف عند السطوح، لكنه لا يتجاوز ذلك إلى اللبّ والباطن، ومن هنا تراهم لا يدركون "الجمال" إلا في الصورة الظاهرة للواقع أو الطبيعة أو الكون ولاشك أن إدراك الطبيعة وجمالها بهذا الشكل المسطح مذموم لدى كبار المنظرين لمسائل الجمال في الفكر الإسلامي، مثل الغزالي وابن قيم الجوزية، وفي الفكر الغربي مثل هيجل.

٥٠ / ١٧٧