مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٥١إن أبا حامد الغزالي كان يرى أن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والأول يدركه حتى الصبيان والبهائم أما الثاني فيختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لايعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.
وإن ابن قيم الجوزية كان يرى أن: ((الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكل ذات جمال)). وإن هيجل كان يرى أن: ((الإدراك الحسي البحت هو أسوأ إدراك وأقله ملاءمة للروح وهو يكمن بصورة رئيسية في النظر، في السمع، في الإحساس)).
كل هذه الآراء تؤكد قلة شأن الرؤية الشعرية والجمالية التي تقف عند مجرد الظاهر وتعتمد -فقط- على الحس في تصوير الطبيعة ووصف الواقع، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون لهذا النوع من الرؤى الفنية قيمتها في الحياة، غير أن أصحابها لا يملكون ما يرفعهم لدرجة أعلى، ويعينهم على إدراك أعمق.
فنحن نجد نوعا ثالثا من الرؤى الشعرية يتميز أصحابها بعمق النظر، لأنهم يرون الكون والواقع والإنسان والطبيعة في أوضح الصور، ويدركون أعماق كل شيء إدراكا مكينا، فهؤلاء هم أرباب القلوب الذين يختصون بدرك الأشياء والناس والكون بالبصيرة والبصر معا يقول الغزالي: ((كل جمال وحسن فهو محبوب، والصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الظاهرة بالبصر الظاهر و الصورة الباطنة بالبصيرة الباطنة))، وأحسب أن هذا الصنف هو المستثنى في آية الشعراء.
ومعنى ذلك أن مستوى الإدراك يختلف باختلاف مجموعة من العوامل منها الفطري ومنها المكتسب، وعلى أساس هذا الاختلاف في القدرات تختلف الرؤى الشعرية بساطة وعمقا واتجاها، ويعظم هذا التفاوت بين الرؤى إلى أن يصل إلى درجة تصبح المقارنة بين الأنماط الشعرية نوعا من السذاجة.