مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٥٢

وقد عملت العقيدة الإسلامية على تعميق رؤى معتنقيها كما عملت على إعطائها تصورا متميزا عن تصورات غير معتنقيها تمييزا واضحا سواء على المستوى التنظيري أو على المستوى التعبيري، يقول سيد قطب: ((لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي وطهّر إحساسه بالجمال فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب بل الطابع الإنساني المهذب، وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان، مهما يكن من التناسق والاكتمال، فأما جمال الحشمة فهو الجمال النّظيف الذي يرفع الذوق الجمالي ويجعله لائقا بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال)).

وقد كان الشاعر -إبراهيم أبو اليقظان (1888-1973)- أحد هؤلاء الشعراء الذين تميز حسهم النقدي والتعبيري على حد سواء بأن صبغ برؤية إسلامية عميقة يدرك بها العلاقات الخفية والظاهرة بين الأشياء والناس والأفكار فيصوغها صياغة نظرية أو تعبيرية لها مذاق خاص، قال عنها عبد الحميد بن باديس وهو بصدد تقديم أحد دواوينه: ((هو الرجل الذي يجعل قلبه ولسانه في صف واحد فلا ينطبق هذا إلا بوحي ذاك ولا يشعر ذلك إلا وترجم عليه هذا وإن تكلم في موضوع محلي فأنت ترى تلك الروح الوثابة الحساسة تتجلى على كل مصراع، بل ربما على كل كلمة من كلماته)).

وقد تتبعت رؤيته الشعرية والنقدية تتبعا أوليا فوجدت رؤيته -فعلا- كما وصفها الشيخ عبد الحميد بن باديس، رؤية تخلو من التناقض وتتجلى بروح واحدة في جميع الموضوعات والأغراض التي كان له فيها شعر، فرؤيته كانت دائما رؤية إسلامية طاهرة من أي غبش فكري هجين كالذي نجده عند كثير من الشعراء الذين وقعوا تحت الضغط الفكري والإيديولوجي والنفسي الذي مرت به ولا تزال تمرّ به الثقافة في العالم الإسلامي كله.

٥٢ / ١٧٧