مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٥٣

ولكي نعطي هذا الحكم معناه العلمي علينا أن نسبر معا أغوار شعره مبتدئين الحديث عن البعد العقدي ثم السياسي ثم الإصلاحي لنصل إلى الأسلوب التفسيري المتبع في تفسيره لكل تلك القضايا والأبعاد.

لكن قبل ذلك كله لابد أن ندخل من خلال رؤيته النقدية لمهمة الشعر في الحياة الإنسانية لأن الوقوف على المعرفة النظرية عند شاعر ما، والوقوف على الطرق المتبعة في فهمه للحياة وطرق التعبير الشعري عنها يعين الدارس على توجيه النص الشعري توجيها سليما وعلميا إلى حد كبير.

أولا: رؤية الشاعر النقدية لمهمة الشعر: حينما عرف أبو اليقظان الشعر تجنب التعريفات التي تنصب على شكل الشعر مثلما فعل قدامة بن جعفر أو ابن طباطبا، بل تجنب حتى التعريفات التي تنبثق عن مفهوم الصورة كما الحال مع الجاحظ أو مفهوم الشعور كما عند ابن وهب، تجنب كل ذلك ليعرف الشعر من زاوية "الرؤية الشعرية" حينا والروح الشعرية أخرى، والمقاصد والأغراض ثالثة، وذلك كله دون أن ينسى وحي الخيال.

فهو حين يعرف الشعر بقوله: ((الشعر قالب عليه تسبك أغراض الإنسان وتصاغ غاياته وتفرغ مراميه))، لم يكن يضع نصب عينيه الجوانب الشكلية للشعر وإنما كان يركز على "المقاصد الإنسانية"، وقد يتبادر إلى الذهن أول الأمر التساؤل التالي: ما هي هذه المقاصد؟ وهل تكون واحدة لدى الإنسانية أم متغيرة بتغير الرؤى والمناهج والأعراف؟

حقا إن أبا اليقظان لم يفصح عن مراده هنا ولكن الأقرب إلى منطق أن تكون المقاصد التي يعنيها هي المقاصد والأغراض التي تشكل الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الفكر الإسلامي كله وهي مقاصد الشريعة التي حددها قديما الشاطبي في دائرة: حفظ الدين من جانب الوجود وحفظ النفس والعقل والنسل والمال من جانب الوجود والعدم.

٥٣ / ١٧٧