مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٥٤ومهما يكن المراد من "المقاصد والأغراض" التي ينبثق منها تعريفه للشعر فإن توجيه شعره ينبغي أن ينطلق من هنا، بغض النظر عن كون المقاصد التي يعنيها هي هذه أم المقاصد التي رسمت من بعد في نظرية الشعر عند طودوروف أو توماشفسكي.
إن الأمر لايتغير كثيرا لأن المهم عندنا هنا هو تحديد زاوية النظر لأبي اليقظان أهي جمالية إصلاحية أم جمالية جمالية؟ ثم تحديد نظرية المقاصد الشعرية.
إنه يعرف الشعر مرة أخرى بقوله: ((هي تلك الروح التي يودعها الشاعر في خلال بيته بقوى بيانه الساحر فيدخل بدون إذن في آذان السامعين فينفذ إلى قرارة نفوسهم فيكون فيها إحساسا رقيقا وشعورا حيا فتتدارك مافاتها من عز وسؤدد ويضرب على أوتار قلوبهم فتهتز لنبراتها أعصابهم وتشتعل بنيران الحماس أدمغتهم فتتسابق إلى الامتثال جوارحهم، ذلك هو الشعر وهذه ثمراته، وكل ما كانت هذه آثاره فهو شعر سواء أكان نظما أم نثرا ومالا فلا، والشاعر بالمعنى الأول يعد شاعرا حقيقة وبالمعنى الثاني يسمى ناظما وليس من [الشعر] في شيء)).
إن مفهوم الشعر هنا يتحدد بالرسالة التي يؤديها لا بالشكل الذي يظهر به لأن الشكل طعم وسحر من وظيفته فتح الشهية للتلقي أمّا ما بعد ذلك فهو الرسالة التي يحملها، فإن كوّن في النفوس إحساسا رقيقا وشعورا حيّا فانطلقت لتتدارك الشرف والعزّ والسؤدد فهو الشعر بغض النظر عن الصورة التي يظهر بها، فالأساس في تمييز الشعر من غير الشعر هو الفاعلية وليست الصيغة.
إن فهم الشعر من جهة الرسالة الفاعلية والمقاصد والغايات والمرامي قد أدى إلى أمر آخر مهم في تحديد الرؤية عند أبي اليقظان وهو أن الشعر نور، وله عندئذ فاعلية النور، بحيث يملك قوة إزالة الحجب أمام البشرية لترى الكون والحياة على حقيقتهما: ((الشعر في نفس الشاعر نور، مثل نوره كمشكاة… يرسل أشعته من نافذتها فيضىء بها بطون الليالي المقبلة مدى العصور)).