مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٥٨

والشاعر حينما يجعل نواة المنطق الفعلي هي "قولة التوحيد" ويبني عليها بعد ذلك السلوك البشري في مستوياته العليا والدنيا على حد سواء، فإنما يفعل ذلك بناء على سنة من سنن الله في إقامة السلطان وإدمة الملك وأو زلزلته . فالعدو لم ينهزم لأن الجيوش الإسلامية كانت أقوى عدة وعتادا وإنما انهزم لأن كلمة "الله أكبر" أقوى من كل قوة، وعليه فإن الطغيان قد حطم بالكلمة الصادقة قبل أن يحطم بالمدفع والدبابة، وفي ذلك في الواقع صياغة لمعنى قول الله تعالى: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ ويتجلى ذلك في قوله:

والله حفكم بنصر كامل وبفضله حطمتم العدوانا

فما يحدث من هزائم أو انتصارات لا يخضع دائما لقانون السببية في مستواه المادي الذي نفسر فيه النتائج دائما بمقدمات مادية، لأن لله في خلقه شؤونا نجهلها متى كان تفسيرنا للأحداث في غياب الوعي الروحي، لأن هذا الوعي حينما يحضر بخصائصه في أمة يصبح للتفسير التاريخي معنى مختلفا، نراه بارزا في غزوة حنين التي أعجب فيها القوم بقوتهم فانهزموا: ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ﴾ .

في مثل هذه الحادثة يتوقف تفسير الأحداث في صوء القانون المادي للأسباب، ليظهر القانون الروحي، ولذلك وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي وهو في المعركة والقوم فارون "أصحاب العقائد" بصفة خاصة يقول الغزالي: ((لقد هداه الحق أن يهتف بأصحاب العقائد ورجال العقائد عند الصدام فهم وحدهم الذين تنجح بهم الرسالات وتفرج الكروب، أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم فما يقوم بهم أمر أو تثبت بهم قدم)).

إن الشاعر أبا اليقظان كان إذن ينطلق في رؤية عقدية توحيدية تجعل من التوحيد النواة التي تنبثق عنها تصرفات وسلوكات البشرية في الصغير من أمرها والكبير.

٥٨ / ١٧٧