مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٦١

هنا يكمن السر، هذا يضع قواعد تنزيلية جاءت من عليم حكيم، وأولئك يضعون قواعد يستنبطونها من الواقع وحده، والواقع يعجز عن تقديم البديل الأصلح، وإذا كان كذلك فإن في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - "المثل" الأكمل وفي نظامه نموذج الصالح لكل زمان ومكان.

ولهذا السبب تساءل الشاعر مرة أخرى في آخر هذه القصيدة التي تعد من الأدب الإسلامي الرسالي كما يلي:

بأمتهم لصف الناهضينا؟

لنا أسمى مقام الكاملينا؟

فهل من مقتفين به فيرقوا

ألسنا خير أمة، خير قوم

إن النهضة في هذه الرؤية الشعرية متوقفة على اقتفاء أثر الرسول ومعناه أن النهضة التي يتحدث عنها ويدعو إليها هي التي ترفضها بعض الرؤى التغريبية التي ترى في المشاريع الغربية مثلها الأعلى، وهنا يكمن سر الصراع في الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة. إذ ترى الرؤية الإسلامية الخيرية والتقدم والازدهار في التمسك بثوابت الأمة كما يصوغها الوحي قرآنا وسنة بينما ترى الرؤية التغريبية الخيرية والتقدم في الأخذ بمنهج اللائكية.

وهذا الصراع هو الذي جعل الشاعر يصوغ المسألة معتمدا على الآية القرآنية الكريمة التي تنص: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ . وإذا أخذنا فعل الكينونة هنا على أنه قد صيغ في الماضي ليفيد استغراق الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل فإننا نستطيع أن نستنتج أن الشاعر يرمز إلى مسألتين من أهم المسائل المتعلقة بمشكلات الحضارة هما:

أ- الخيرية متوقفة على ثلاثة عناصر هي: الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه العناصر تعيدنا في الواقع إلى بداية الحديث عن الرؤية الإسلامية لهذا الشاعر وهي انبثاق الأفكار والأفعال عن التوحيد.

٦١ / ١٧٧