مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٢ب- النظرة المستقبلية التي يوحي بها فعل الكينونة تحولت بسببه الآية إلى الأسلوب الشرطي، بحيث يصبح المعنى كما يلي: من كان يريد أن يكون خير أمة فعليه أن يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبذلك تنتهي القصيدة للحظة تنوير وتفاؤل يمثله الشطر: "لنا أسمى مقام الكاملينا"، ولكن ذلك ليس مطلقا فهو مقيد في نظره بمدى وعي الأمة بهذا الشرط، إذ أن النظرية لها عكسها لذا قال:
لا نهي بل لا أمر بل لا منهي وكذاك كان ختام كل الهالكينا
وبهذه الفكرة يلتقي تماما مع المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- الذي كان يرى أن النهضة مشروطة بالتشبث بالمبادئ: ((وليس يكفي مجتمعا لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع)).
والواقع أن تحديد "مقام الكاملين" بالضبط اعتماد على الإحالة إلى الآية السابقة بحمل دلالة كبيرة في التفسير الحضاري للأدب، إذ أن "الكمال" هو مطلب جميع المصلحين وهو غاية الأنبياء والمرسلين، ولئن كانت الطروحات الحضارية تختلف في الطريق إلى ذلك فإن الرؤية الشعرية هنا قد حددت الطريق إليها في مطلع القصيدة كما رأينا ورجعت إليه في خاتمتها، وذلك لتبين أنه: ((على هذا المنوال جاء الإسلام لينسج حضارته العظيمة حين وهب للعالم تماسكا وروحا جماعيا، خطّ له اتجاهه التاريخي بعد أن كانت تسوده الأهواء الفردية، لقد (جعل) القرآن من البدوي إنسانا متحضرا)).
إن رؤية هذا الشاعر إلى الحياة عميقة ومتماسكة ومنسجمة ولهذا تراه في قصيدة أخرى، وفي مناسبة أخرى يطرح الموضوع مقترنا بالمساجد باعتبارها مهد الحضارة الإسلامية ومنبرها الإعلامي الذي تعلن فيه عن أفكارها ومشاريعها، وتعمل من خلالها على تغيير النفوس والعقول والواقع.
ثانيا: مفهوم الإصلاح: من الطبيعي أن ينبثق مفهوم الإصلاح والتغيير من مفهوم الإسلام الذي يدور حول محور واحد هو الله وينطلق من نواة واحدة هي التوحيد.