مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٣وعلى هذا الأساس كانت الرؤية الشعرية في المجال الإصلاحي تتحرك بالعدسة نفسها التي كانت تتحرك بها في مفهوم الإسلام، وآية ذلك أنه قد قال في مقدمة قصيدة ألقاها في مهرجان جمعية العلماء سنة 1934: ((أيها السادة لا يخفاكم أن جمعية العلماء بمثابة الطبيب الحاذق والأمة الجزائرية بمثابة المريض، وقد انتابته العلل والأسقام من نواح مختلفة، فحص ذلك الطبيب هاتيك العلل فأرجعها إلى علة واحدة ألا وهي ضعف الإيمان ولهذا فقد وجه كامل جهوده لمعالجة هذا المرض قبل كل شيء)).
وهذا النص على قصره يعد مفتاحا أساسيا في الدخول للرؤية الإصلاحية في شعر أبي اليقظان، إذ كشف لنا أن العلل الإجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية، والأخلاقية مردها جميعا إلى سبب واحد هو "العقيدة" وعلى هذا فإن إصلاحها يتوقف على إصلاح العقيدة.
على أن المنهج الإصلاح يختلف عن منهج التغيير، لأن الأول يليق في مجتمع علته هي "ضعف الإيمان" أما الثاني فيعتمد في مجتمع لا إيمان له، ومن هنا وجد الطريق إلى العلاج في الإصلاح، بينما كان قد وجده في الموقف الخاص الذي نظر فيه إلى المستعمر في المنهج الثاني "الثورة" والتغيير الجذري" إذ كان قد دعا إلى تنكيس الصلبان وتحطيم الطغيان كما رأينا، ووصف لحظة الانتصار وصفا يعج بالألفاظ الثورية كالمدفع واللهيب والثوار والدماء والأنصار وغير ذلك مما يمكن أن يلاحظ في قوله:
ولهيبها يا أيها الثوار
تصبو لها يا أيها الأحرار
نحو المرام فهابكم فجار
ونجمة، وكذلك الأنصار
سكتت مدافعكم وخف دويها
من بعد ما أدت مهمتها التي
أجريتم سفنا على بحر الدما
بدلتم العلم المثلث بالهلال
إن المنهج هنا منهج تغيير ثوري يستهدف الجذور لاستئصال الاستعمار الذي كان يحس به دائما جسما غريبا على هذا المجتمع في كل مقوماته.