مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٥وهذا يبين أن حجر الزاوية في الرؤية الإصلاحية لدى أبي اليقظان تتسم بالشمولية والتركيز على نقاط القوة والضعف، فهو لم يعمد إلى الإصلاح السياسي لأن ذلك يتطلب وسائل وإمكانات قد يعجز عن تحضيرها فضلا عن استحالة تحقيق الهدف بها في ذلك الوقت على الأقل، وإنما عمد إلى إصلاح العلماء أي إصلاح الثقافة، وبهذا يختلف بعض الاختلاف منهجه عن منهج المصلحين في المشرق إذ أن الشيخ محمد عبده قد واجه مشكلة الإصلاح من زاوية مختلفة فبعد أن أدرك حقيقة المأساة الإسلامية وجد من الضروري أن ينظر إليها كمشكلة إجتماعية على حين أن أستاذه جمال الدين قد تناولها من الزاوية السياسية، أما هو فيواجهها من الزاوية الثقافية، فمنهج أبي اليقظان يصب في منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس، فكلهم رأى الإصلاح في العقيدة عن طريق إصلاح العلماء وربما لذلك السبب كانت الحركة الإصلاحية في الجزائر مطبوعة بهذا الطابع سواء في الشمال حيث كان يتحرك إمام النهضة أو في الجنوب حيث كانت تتحرك أقلام مثل الشيخ بيوض وأبي اليقظان والشيخ اطفيش، ففي الجزائر بصفة عامة كانت الجهود الإصلاحية منصبة على إصلاح العقيدة بإصلاح التعليم، ولذلك كانت الحركة "قد أفسحت المكان شيئا فشيئا لقيام مؤسسة عظيمة الأهمية هي مؤسسة التعليم الحرّ".
ولقد كان هذه الرؤية الجزائرية المتميزة خير سلاح يقاوم به الاستعمار الفرنسي الذي كان يتميز بحقد دفين على المعارف الإسلامية، ترجمته السلوكات العدوانية التي كانت تشن على العلم بضراوة ووحشية كبيرة.
إن الرؤية الشعرية الإصلاحية التي تميز أبا اليقظان كانت تتحرك في المجال الزماني والمكاني الذي صنعته الأجواء العامة للوطن، ومن ثم كان صورة لنشاط الجمعية الإصلاحية، ولكن ذلك لم يمنع الرؤية من أن تتجاوز مسألة "العلم" إلى مسألة أخرى هامة هي "التطور والتجديد" ولهذا نجد الشاعر يصوغ هذه القضية كمشكلة حضارية كما يلي:
برجالها الأخيار والأشرار