مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٦ورقيها في سائر الأطوار
فيه الصلاح ودفع كل طوار
المختار والإجماع والآثار
إن البلاد حياتها ومماتها
فالأولون مجددون لمجدها
يتطورون مع الزمان لجلب ما
بعد التمسك بالكتاب وسنة
الثابت والمتغير هو حجر الزاوية في الصراع الداخلي للشعوب والأمم، وبقدر نضج الوعي بهما وبحركة التاريخ في ظلهما وعدمه يتحدد الصراع في طبيعته وقوته وعنفه ولينه، وهذه المسألة الهامة هي التي تصوغها تلك الأبيات لتفرق بين الأخيار والأشرار، فالأخيار يفهمون الحياة فهما يتماسك فيه المتغير بالثابت، ومن ثم يصبح التمسك بالكتاب والسنة منسجما تمام الانسجام مع التجديد والتطوير والتحديث، لما كانا يمثلان الوحي الذي يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان لا من حيث هو عرق أو جنس من الناس يتميز بقومية أو بجهة أو بعنصرية معينة، وفي مثل هذه الحال التي يكون التصور قادرا على المزج بين الثوابت والمتغيرات تكون البلاد في أمن من السقوط وتكون الحضارة في أمن من الانحدار، ومن ثم كان التركيز على نوعية الرجال العلماء بمثابة قاعدة لضمان "حياة البلاد"، لأنهم يضعون عينا على الثابت وعينا على المتغير لئلا يتسبب تضييع أحدهما في موت البلاد.
أما الأشرار فهم أولئك الذين تقف بهم عقولهم دون إدراك حركة التاريخ في ظل ثنائية شرطية تجمع بين الثوابت والمتغيرات، ومن ثم تجدهم إما مضطرين لتقليد الغرب ظنا منهم بأن المتغيرات عندهم تتحرك في غياب ثوابتهم، وهذا جهل فظيع تقع فيه كثير من الذهنيات، إما مضطرين لتقليد السلف كيفما اتفق، دون قدرة تعينهم على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير، ومن ثم يتعاملون مع الثراث تعاملهم مع الوحي وهذا عين الفساد في التصور.
إن هذين النمطين يعدهما الشاعر من "الأشرار" لأنهم في الحقيقة يلتقون في نقطة واحدة على اختلاف مذهبيهما وهي "تبديد الشمل"، وعلى حد تعبيره:
ولما لها من عزة وفخار
ويعاكسون مجاري الأنهار
يبدو من الإصلاح والأفكار