مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٨والحق أن الفرق بين الأبطال المصلحين والأبطال المفكرين هو فرق بين من يحوّل الفكرة إلى فعل يدفع به عجلة التاريخ، ومن يكتفي من الفكرة بالأماني، ولذلك نجد كثيرا من المفكرين الذين يسجل لهم التاريخ مآثر خالدة في المجال الثقافي قلما يدخلون التاريخ في الحركي، ولعله لذلك السبب صاغت الآية القرآنية مسألة "التغيير" بالتركيز على "النفس" دون "الفكر" فقال تعالى: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ ، فذكر النفس في الحالين ولم يذكر "الفكر" لأن تغيير النفس يشمل الفكر والمشاعر والوجدانات والانفعالات، وهذه كلها مجتمعة هي التي تصنع الدافع القوي الذي يحرك إرادة الإنسان نحو الحدث الذي منه يعجن التاريخ ليسوّى منه إمّا الفعل الحضاري وإمّا الفعل المدني، بحسب طبيعة الفكرة التي توجه الإرادة، والفرق بينهما هو الفرق بين العمل الصالح المرتبط بالإيمان، والعمل الإيجابي الخالي من الإيمان، فكلاهما عمل ولكن الروح التي تسري فيهما هي التي تختلف، بحيث تضمن لأحدهما الاستمرار والخلود والبقاء، وتحتم على الثاني ليخضع لسنة السقوط والتدهور يقول سيد قطب -رحمه الله- : ((ولابد أن نقف قليلا عند نص هذه الآية… إنه من جانب، يقرر عدل الله في معاملة العباد فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم ويقلّبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها…