مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٦٩ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم، ومن الجانب الثالث يلقى تبعة عظيمة، تقابل التكريم العظيم، على هذا الكائن، فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه ويملك أن يزاد عليها إذا هو عرف فشكر، كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر، وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه.
وهذه الحقيقة الكبرى تمثل جانبا من جوانب التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان، وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود، وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه، ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله وتكريمه لهذا التقدير، كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه، وفي مصير الأحداث من حوله فيبدو عنصرا إيجابيا في صياغة هذا المصير بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية، التي تصوره عنصرا سلبيا إزاء الحتميات الجبارة، حتمية الاقتصاد، وحتمية التاريخ وحتمية التطور إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة، ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول، كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه وتصور عدل الله المطلق، في جعل التلازم سنة من سننه يجري بها قدره ولا يظلم فيها عبد من عبيده)).