مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٧٠

إن الإرادة هي التي تحول الفكرة إلى حركة، ولكن هذه الإرادة نفسها تقترن بالعقيدة اقترانا وثيقا، يصطبغ على أساسه ناتج الحركة ليكون بعد ذلك عملا صالحا أو عملا غير صالح في نظر التصور الإسلامي الصحيح، وهذا هو ما تريد الرؤية الشعرية التي انبثق عنها البيتان السابقان أن تعبر عنه لتربطه بعمل الأخيار في بناء الدولة أو تربطه بعمل الأشرار في هدم الدول والمجتمعات.

ولعل من المفيد أن نشير إلى النواة العقدية التي بني عليها هذا التصور الشاعري للحياة، إذ أن اختيار مصطلحي "الأخيار" و"الأشرار" للدلالة على أن دور هذه الثنائية الضدية في البناء الحضاري للمجتمعات لم يكن عملا اغتباطيا فرضته القافية الشعرية، وإنما هو اختيار مقصود تقتضيه البنية العقدية والثقافية التي يتحرك في أجوائها الشاعر شعوريا ولا شعوريا.

إن هذه الثنائية تحيل بكل تأكيد على قول الله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البريئة، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة… ﴾ الآية.

إن هذه الآيات هي التي بصمتها الرؤية الشعرية التي استوعبت الانسانية الضدية للبناء الحضاري التي يرمي إليها الشاعر أبو اليقظان، وتحدد بدقة متناهية البعد الحركي لعمل الإنسان في هذه الحياة بحيث ينقسم إلى منحيين تبعا لمصدر الحركة وبناء شخصية هذا المصدر، فإن كان المصدر من الذين كفروا فإنه يدمج في دائرة "شر البريئة" وهم الذين يعنيهم الشاعر بـ "الأشرار" أما إن كان المصدر من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنه يدمج في دائرة "خير البريئة"، وهم الذين يقصدهم أبو اليقظان بـ "الأخيار"، وهم الذين رضي الله عن عملهم وحركتهم لأنهم حينما كانوا يعملون كانوا يستحضرون رقابة الله في سرهم وعلانيتهم فكانوا بذلك خير أمة أخرجت للناس لتعطي النموذج الحضاري الفريد الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية كلها.

٧٠ / ١٧٧