مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٧١ومن الواضح أن الحكم بالخيرية للنمط الثاني والشّريّة للنمط الأول حكم قاطع لا جدال فيه، وذلك لأنه مهما يكن من صلاح بعض أعمال "شر البرية" وصلاح بعض آدابهم ونظمهم فإنها تبقى أعمالا خاوية من الإيمان، كما أن أعمال "خير البرية" هي أعمال صالحة ليس بسبب صلاحها في ذاتها ولكن إضافة إلى ذلك بسبب الإيمان الذي يزكيها ويباركها، إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة، ومن ثم كان الكفر دلالة على الشر الذي لا حد له، وكان الإيمان دلالة على الخير البالغ أمده كما يقول سيد قطب.
هل يمكن أن نشك الآن في كون الشاعر قد اختار مصطلحي "الأخيار والأشرار" اختيارا وقصد إليهما قصدا ليعبر عن دورهما في إحياء البلاد وإماتتها حسب التصور الإسلامي للبناء والعمران؟
أجل ذلك هو الفهم الشاعري للحياة كما يراه أبو اليقظان الذي ينظر إلى الحضارة على أنها ناتج تفاعل العمل الصالح مع الإيمان وقوة الإرادة.
ولكن يضع مع ذلك شرطا أساسيا ومهما للغاية وهو تجنب "الجمود" لأن الجمود يفضي لكل دمار كما يفضي إلى ذلك عمل الأشرار، والسبب في ذلك هو أن العمل على إرساء قواعد المتغيرات كما لو أنها ثوابت هو مصارعة للزمان، ومن البديهي أن الزمان لا يصارع لأن حركته خاضعة للسنن الإلهية التي قضى الله أنها لا تتحول ولا تتغير يقول أبو اليقظان:
يمشي بنا" يفضي لكل دمار
إن لم تكن برضى فبالإجبار
وتيقنوا أن الجمود "وعصرنا
إن لا محيص لجيلنا من دورة
فالشاعر يرى بعين البصر والبصيرة أن الجمود يسوق الشعوب والأمم والحضارات إلى الدمار، ويؤكد هذه الفكرة في البيت الثاني ليدلنا على عجلة التاريخ التي تمضي بقوة بحيث لا يسلم من شرها إلا من اتخذ لذلك سببا، ولا يستفيد من خيرها إلا من اتخذ لذلك سبيلا.