مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٧٤جمالية المضمون: إذا كانت طريقة التفكير تفتح الرؤية فإن "الوعي الروحي" هو الذي يوجه طريقة التفكير، ويتحكم في مبدأ "اختيار الأدوات التشكيلية"، ولكن مما لا شك فيه أن "الوعي الروحي" هو وليد تظافر عاملين: العقيدة والثقافة وذلك ما يفسر مسألة التركيز على إعادة كشف الرؤية الشعرية في ضوء العاملين السابقين من أجل تحقيق المتعة واللذة الجماليتين:
فإذا قرأنا للشاعر أبي اليقظان قوله:
وفطرته الحسنى وما كان صافيا
شرورا فيختار الشقا والدّواهيا
أخاطب في الإنسان حرّ ضميره
أحقا يرى الإنسان من نور عقله
ونكون كما لو أننا قد قرأنا للشاعر نزار قباني قوله:
أرواحنا تشكو من الإفلاس
أيامنا تدور بين الزار والشطرنج والنعاس
هل نحن خير أمة أخرجت للناس ؟
هذه الأسطر تحقق استفزازا قويا لدى المتلقي، لا يقل عن الاستفزاز الذي تحققه تلك الأبيات، ولكن ما حقق لا يعود إلى تلك النغمة الموسيقية العذبة أو إلى الاستفهام!!
فاللذة التي يحققها النصان من نمط واحد ترجع بشكل أساسي للمشاعر التي يثيرها فينا جوّ المضمون أكثر مما تعود إلى الجرس الموسيقي أو إلى البنية اللغوية التي ركبت عليها الأبيات، إن الذي يهزنا هو نضج الفكرة في عمق الفهم الشاعري للحياة وليس هو نضج الأداة التي عبر بها الشاعران، وإن كان من الصعب الفصل بين الصوت والمعنى كما سبق القول.
دعني أقل إن الذي يحتم عليّ الإنشاد هو جمالية المضمون قبل جمالية الشكل، ولذلك نجد أنه ليس من الضروري أن نتحرك طربا لما نسمع، وإنما من الضروري أن نفكر بعمق في أبعاد ما نُنْشِد، هذه هي الحقيقة في جمالية المضمون، ولهذا يعد هذا النوع من الجمال هو تذوق الخاصة إن لم نقل هو من تذوق خاص الخاص، وقد سبق أن بيّن في التوطئة هذه المسألة كما أسس لها ذوو النهى.
ولكي يتبين ذلك جليا يمكننا أن نقارن مرة أخرى بين أسطر أخرى من الشعر الحر لنزار قباني نفسه، وأبيات أخرى للشاعر موضوع الدراسة.