مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٧٥قال أبو اليقظان وهو يخاطب جمعية العلماء المسلمين:
ألهبي فينا الحميّه
لا دعاء الجاهليّه
للود قضيّه
انعشي الأرواح منا
غيرة الإسلام أعني
واختلاف الرأي لا يفسد
وقال نزار قباني ينتقد وضع العرب في العصر الحديث:
خلاصة القضيّه
توجز في عباره
لقد لبسنا قشرة الحضاره
والروح جاهليّه
قد أكون على يقين من أن الشاعر نزار قباني لم يستسلم لهذه الرؤية الإسلامية بسهولة، وقد أكون على يقين كذلك من أنه لم يطلع على أبيات أبي اليقظان، ولكن مع ذلك فإن الروح التي تسري في النّصين واحدة، وعملية الاستفزاز التي يحدثها النصان واحدة، بل والمعجم الأساسي المستخدم واحد، ومن ثم كان الحس الجمالي الذي يحقق اللذة واحدا، وأؤكد أنه ليس بسبب الضجيج الموسيقي وإنما هو بسبب الروح القلقة التي هي عامل مشترك بين أفراد المجتمع الإسلامي المؤمنين بالقضية، نعم "القضية" ولعل في قول رولان بارط ما يعزز هذا الكلام إذ يرى: ((أن الفن لا يعرف الضجيج بالمعنى الإعلامي للكلمة فهو منظومة نقية)).
ومعنى هذا الكلام أن الذي يلمس فينا أرواحنا إنما هو الثابت في الإنسان فالشّاعران قد حركا فينا "المنظومة النقية" بفضل ما تضمنه النّصان من خصائص "الوعي الروحي"، الذي من طبيعته أن ينمو في الروح الجماعية ببطء لأنه جزء لا يتجزأ من الرؤية الشعرية التي وإن تميزت من شاعر إلى آخر ببعض العناصر فإنها تبقى محتفظة بالعوامل المشكلة للتصور الأساسي للأمة، ذلك لأن: ((كل شيء جديد للرؤية الفنية يتهيأ ببطء خلال قرون، والعصر لا يخلق سوى الشروط المثلى لتفتحه النهائي ولإنجازه)).