مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٧٧ومن ثم كان من المفروض في الحكم الجمالي أن يتخذ منهجا غير المنهج المستخدم في الحكم الفني، وعليه فإن دراستنا للعمل الفني ولهذه القصيدة بالذات سيستهدف ((الحصول على معرفة أوسع وأعمق بالإنسان ثم الاستعانة بهذه المعرفة لنخلص من كل الالتباسات المفترضة إلى جوهر الفن وسبب وجوده وهو الجمال)).
مطلع القصيدة هو:
نجل في الفضاء ونجل النظر
وكم في التنقل، كم من عبر
خليليّ هيا بنا للسفر
فكم في المسير من الموعظات
لا تظنن أن الشاعر قد كتب هذه القصيدة وهو في سفر أو أنه يستعد للسفر المادي، إن الشاعر هنا يدعو القارئ ليسافر معه ليخوض به أهوال البحر العميق أهوال الزمن، وهي أهوال لأنه لا يدعو القارئ للمتعة البصرية وإنما يدعوه للتخيل والتأمل، إذ "كم من المسير من الموعظات، وكم في التنقل كم من عبر؟ ((وهذا التنقل لا يكون بالسيارة أو الطائرة لأنها وسيلتان ماديتان لا تقويان على اختراق حجب الزمان وحجب الكتاب، وإنما يكون بالعقل بالناضج الذي يفهم المقاصد ويستنبط النتائج ويستخرج العبر، إنه إذن لا يدعونا حتى لمجرد استعراض الحوادث التاريخية أو سردها كما رأى الدكتور بوحجام بسبب اعتماد المنهج الفني، وإنما يدعونا للتأمل في تاريخ الأمم لنقرأه قراءة سننية، وهذه القراءة لا تتوقف عند الحسّ فقط، وإنما تتجاوزه إلى الفهم، ذلك لأن "العمل الفني مصنوع أولا من الحس كيما يحس لكننا نحس بشكل أفضل ما نفهم))، ولاشك أن ما نفهمه من قصيدة أبي اليقظان شيء عظيم جدا كما سنرى.
إنه بعد أن يعرض أمثلة من تاريخ الأمم لا يتوقف عند مجرد العرض ولكن يشير إلى الأسباب السرية والجوهرية، التي أدت إلى الازدهار أو تلك التي أدت إلى الانحدار، ويبين أن الانحدار والازدهار عمليتان تمثلان المنحنى الحضاري، فإذا كان الدولة الرستمية قد ازدهرت، فلأن الذين أشادوها كانوا متمسكين بأسباب الرقي الحضاري فهم:
ونهج الرسول ونور الأثر
أشادوا الحضارة طبق الكتاب