مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٧٨

ولكن حينما ضيعوا أسباب الرقي والازدهار كان لابد لسنة الله أن تنفذ فيهم كما نفذت في غيرهم:

نواميس لا تعتريها الغير

تخالف حكم القضا والقدر

ـر للموت عند تمام العمر

ألا إن لله في خلقه

ولن تتبدل يوما ولا

وما في الوجود سواه يصيـ

إلى أن قال :

لشعب تمكن منه البطر

د عنه ويتركه في خور

ويطمع فيه العدو الأضر

وحاق الخراب به واستمر

توالت عليها جميع النذر

إذا ما أراد الإله الفنا

فلا ريب يحجب نور السدا

ويغري الرؤوس على بعضها

فجاء العذاب وحلّ التباب

كذلك شأن الإمامة إذ

تأمل الآن هذه المقطوعة التي اقتطفت من قصيدة طويلة جدا تبلغ مائة وثلاثة وستين بيتا، ثم حاول أن تتأمل أحاسيسك ومشاعرك ووجداناتك فإن شعرت بهزة عنيفة تحرك كيانك كله فاعلم أنها من سلطان الجمال الذي يملك قوة غريبة في السيطرة على العقول والقلوب في آن واحد، حتى إننا لنجد الله سبحانه وتعالى ينبهنا لذلك بقوله: ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ ، ويقول في شأن بقرة بني إسرائيل: ﴿ صفراء باقع لونها تسر الناظرين ﴾ ، ومعنى ذلك أن الجمال ليس هو ما يعجب فحسب ولكن هو مايسر أيضا، ولا شك أن مايسر ليس قصرا على الجانب الصوتي للقصيدة أو على الجانب التصويري لها، ولكن هو القصيدة بأكملها إذ أن العمل الفني يقوم على التقاء شركاء ثلاثة هي عناصر أساسية، عالم الواقع وعالم الصيغة، وعالم الخواطر والمشاعر، ومن الخطأ أن نحكم على العمل الفني من زاوية من هذه الزوايا وحدها، لأن ذلك بنز للكمال، وبهاء الشيء في كماله وإن كان الطريق إلى فهمه لا يتم إلا بتجزئته وتحليله، فذلك ليس مبررا للحكم بالجزء على الكل.

٧٨ / ١٧٧