مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٧٩

إن جمال قصيدة أبي اليقظان هذه لا يكمن في جودة الروي، ولا في الحس التاريخي، ولا في التصوير الغريب الذي يهيمن على الفكرة بطريقة عجيبة، بقدر ما يكمن في الوعي الحضاري الذي لم أجد مثله إلا عند مفكرين اثنين: العلامة ابن خلدون، والعلامة مالك بن نبي -رحمهما الله- وأرضاهما.

إن الشاعر في هذه الأبيات كان يقدم رؤية حضارية وإن شئت فقل كان يعرض تفسيرا إسلاميا للتاريخ، لكن بدل أن يعرضه أفكارا قدمه مشاعر ملتهبة، وفي ذلك عمق الجمال الذي يتجاوز الفن حينما يفهم كبنية من التقنيات التي تعرض خالية من الروح.

إن الشاعر لم يكن يستلهم السور الثلاثة (القمر، المدثر والقيامة) فحسب كما ذكر الدكتور بوحجام، ولكنه وهو الأهم كان يتمثل تمثلا جيدا الآيات القرآنية التي تعالج السنن الحضارية كقوله تعالى: ﴿ فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ﴾ ، وقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم ﴾ ، وقوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ﴾ .

ولا شك أن استثارة معاني هذه الآيات في النفوس التي تفاعلت معها قبل ذلك هو بمثابة مفاتيح يلج من خلالها النص إلى اللاشعور ليحدث تفاعلا مع النفس هو أعمق من أثر التصوير والتخييل والضجيج الموسيقي لأنه يؤدي إلى المشاركة الوجدانية.

٧٩ / ١٧٧