مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٨١ولكن قد يفيد هذا المنهج في إبراز بعض الخصائص التي تعطي ظلالا معتبرة حينما تحلل في ضوء التصور الذي تنبثق عنه، وذلك لأن تكيف النفس البشرية بالتصور المعين هو وحده الذي سيلهمها صورا من الفنون غير التي يلهمها إياها أي تصور آخر.
ولبيان ذلك يمكن أن نتوقف عند هذه الصورة الشعرية التي قد تبدو لأول وهلة بأنها من الصور التقليدية البسيطة التي لا عمق لها ولا بعد، ولكن عند التأمل العميق الذي يربطها بالتصور الكلي للشاعر سينكشف لنا منها تقنيات تعبيرية راقية تَنِمُّ عن رؤية جمالية هادئة وناضجة، يقول:
كلماته طي السجل رنينه
ذكراه تبقى بالخلود رهينه
بين الليالي الحالكات عيونه
بين الشعوب ولا تزال حنينه
عمر الفتى عرض يزول وهذه
بل وردة بسامة وأريجها
بل ومضة الإيمان يبقى نورها
بل نبضة بين القلوب وهزة
جمال هذه الأبيات يكمن في أسلوب الإضراب على الصور واستبدالها بصور أخرى يشعر القارئ من خلال ذلك أنه يتدرج من صورة إلى صورة بينما هو في الحقيقة يكشف وجوها للصورة الواحدة كانت مقنعة، وهذا الأسلوب يستخدم في القرآن الكريم بدقة متناهية للتعبير عن الفكرة التي لا يملك العقل الإنساني القاصر أن يدركها بالتصوير المألوف، ومثاله قول الله تعالى: ﴿ وما أمر الساعة على كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ ، فقد فسرت أو هنا بمعنى "بل"، ومعنى ذلك أن هناك: ((إضراب عن التشبيه الأول بأن المشبه أقوى في وجه الشبه ثم يعرض عن التشبيه بأن المشبه أقوى في وجه الشبه وأنه لا يجد له شبيها فيصرح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانيا)).
هذا النموذج من أساليب التصوير عن طريق الإضراب من شأنه أن يجعل الصورة غنية وفعّالة، إذ بهذا التدرج الذي يجعل المعنى يكشف شيئا فشيئا تحدث عملية التشويق للقارئ ليعرف ما وراء هذا التدرج.