مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٨٢

ومعنى الأبيات يتحدد عندئذ طبقا لهذه الحركة الذهنية التصويرية، فإذا أعمار الناس أعراض بينما كلماتهم جواهر، ولما كانت الأعراض قليلة الأهمية في نظر الإنسان المسلم فإن التركيز لابد أن يتم على "الجوهر"، ولذلك تكرر المشبه به بالنسبة للجواهر (الكلمات) فهي وردة، بل هي ومضة إيمان، بل هي نبضة بين القلوب بل هي هزة بين الشعوب، وبذلك أكسب الشاعر الكلمة قدسية ورفعة، تجعلها أهم ما يترك الإنسان بعد رحيله، ومن الملاحظ أن القرآن الكريم يجعل للكلمة الأسبقية على الفعل في الشهادة غدا يوم القيامة، كما يتجلى من قوله: ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ ، ومعنى ذلك أن الصورة التشبيهية التي اعتمدها الشاعر في تلك الأبيات لبيان فكرة محددة تبني شكلا ومضمونا من التصور الإسلامي للشاعر فمن جهة نجد أسلوب التدرج في التصوير عن طريق الإضراب من أساليب القرآن، ومن جهة ثانية نجد روح الصورة يندرج في صميم التصور الإسلامي الذي يهيمن على الأداة والمعنى على حد سواء.

إن هذه الظاهرة التصويرية نجدها تتكرر عند هذا الشاعر إما عن طريق الإضراب بالحرف (بل) أو بالحرف (لكن) التي تفيد الاستدراك. وهي ظاهرة تعبر عن التعانق اللطيف بين الشكل والمضمون، إذ نجد مثل هذه الصور المستخدمة في بيان أهداف الإصلاح تستخدم هذا الأسلوب الذي من شأنه طلب الترقي من الأدنى إلى الأعلى نحو المثل الأعلى، فالصورة تخضع للتصور لذلك تشرح أو تستدرك أو تضرب بحثا عن التعبير الأكثر بيانا.

٨٢ / ١٧٧