مجلة الموافقات: ملف أبي اليقظان مجلة الموافقات

مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٨٣

وهذا يعني أن الشعر الذي ينشد الإصلاح والتعليم هو شعر يبحث عن الوسيلة التي توضح المقاصد وتبلغ المراد، وتنفر من الغموض الذي ليس إلا نتيجة أحد الأمرين، إما الخوف من بطش السلطان وإما التعقيد الذي ينبثق عن بنية نفسية غير سليمة، تجد اللذة في المعميات من التعابير، وقد كان أبو هلال العسكري يعد إخراج مالا يحس إلى ما يحس من أجود أغراض التشبيه وأبلغها، وما ذلك إلا لأنها تزيل اللبس وتقضي على الغموض الذي يستهلك المعنى، وتحافظ على ذلك الغموض الذي يثريه ويذكي جذوة الشوق إليه.

فهو حين يدعو الناس في عبارات مباشرة تخلو من الأسلوب الشعري المتميز الذي عهدناه يعبر عن الفكرة بالصورة والمجاز إلى الصلاة، تراه واعظا، ولكن حين يقدم بعد الدعوة المباشرة التعليل والأسباب تراه مفكرا وشاعرا حكيما، ويمكن أن تستمع معي إلى هذه الأبيات:

حتى تنالوا الفوز والرضوانا

ضاعت لكم هدمتم الأركانا

يحمي البلاد وينعش العمرانا

تهدي بإبرة ضوئها الحيرانا

دنيا العروبة فاعتلت أوطانا

ب وللنفوس ولا تزال حمانا

لا تقعدوا في الباب لكن ادخلوا

إن الصلاة عماد هذا الدين إن

وإذا المساجد هوجرت فمن الذي

فهي القلاع لها وخير منارة

من مهدها درجت حضارتنا إلى

وهي المصحة للعقول وللقلو

إن جمال هذا النوع من الشعر يكمن في رؤيته للكون والحياة لأن المتعة التي يقدمها لا تتوقف على إثارة المشاعر والأحاسيس فحسب ولكن تتجاوزهما إلى إمتاع الفكر والعقل، وهما عنصران أساسيان في الحياة البشرية، إذ هما طريق إلى استثارة العواطف والانفعالات ووسيلة إلى تخزين التصورات التي تحكم الأذواق.

حقا إن الشعر الجيد تكون: ((الصور فيه براهين عبقرية أصيلة، وما ذلك إلا لأنها خاضعة في صياغتها لسيطرة العاطفة))، ولكن ماذا تعني الصور إذا لم تكن تعبيرا عن أفكار سامية ومشاعر وأحاسيس نبيلة؟.

٨٣ / ١٧٧