مجلة الموافقات وملف أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٨٧وفي مقدمة هؤلاء المصلح المجدد، والسياسي الثائر، السيد جمال الدين الأفغاني باعث الشرق وزعيم الحركة الإسلامية الحديثة، الذي وإن كان قليل التأليف فإنه بث في النفوس روحا حية، انتفع الشرق وأهله ببعضها وسوف ينتفع بأجمعها فإنه قد جعل القرآن الكريم محور مشروعه الحضاري المتميز فقال رحمه الله: ((القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أما ماتراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستباطاتهم ونظرياتهم فينبغي ألا نقول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي… ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه… وتفسيره وإضاعة الوقت في عرضه)) ولكن كيف يكون القرآن سبب الهداية والمناهج المتبعة لفهمه تحول دون المسلمين وانتفاعهم بهذه الهداية، ولذا عاب السيد جمال الدين الأفغاني على المفسرين القدامى اعتناءهم بالمماحكات اللغوية والكلامية، وابتعادهم عن النظر في القرآن من حيث هو صالح لقيادة الحياة واحتواء الحقائق الكونية والاجتماعية والأخلاقية فيقول رحمه الله: ((القرآن القرآن وإني لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون عن الفقر المدقع… وكيف لا أقول وا أسفاه وإذا نهض أحد لتفسير القرآن فلا أراه يهيم إلا بباء البسملة ويغوص، ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية -مع استكماله الأمر على أتم وجوههما- فعم الجهل وتفشي الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء حتى تخرصوا على القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة والقرآن برئ مما يقولون)).