محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٠٣أطلعه الله شمسا مشرقة في سماء الإسلام من مطلع ميزاب المنحصرة في زاوية ضيقة محرقة من صحراء الجزائر، على فترة من العلماء الأعلام المجتهدين، فكان بدعا من بني عصره، وآية من آيات الله، شرّف بها وادي ميزاب تربته التي أنبتته، وترعرع فوق أديمها، واكترع من مناهل علمها الضيق بالنسبة لأفقه الواسع.
ولقد كان ابن نفسه في حياته العلمية، فبعد أن حصل على مبادئه الأولية من أخيه وشيخه الشيخ الحاج إبراهيم بن يوسف رحمه الله، لم يطلبه بعد ذلك من غير بلده، ولا أضنى الرواحل إلى المشرق والمغرب، كما هو شأن غيره من النبغاء، وكانت عدته في هذا الجهاد العلمي الذي بلغ فيه مستوى لم يبلغه أبناء جيله،ولا أجيال كثيرة قبله.
أجل، كانت عدته ما حباه الله به من مواهب وفضائل ذاتية، حافظة قوية تغنيه عن كثرة المراجعة، وتسعده باستحضار ما كان مخزونا فيها عند الحاجة، وذكاء وقّاد يهتك أستار الغموض، ويريه كثيرا مما يغيب عن أقرانه، إلى فقر جعله الله بالنسبة إليه كشوك القنفذ يحميه من إضاعة حياته فيما هو فان زائل، ويصرفها إلى ما هو باق خالد. وبصر لا يعوقه عن البحث وكثرة المطالعة، في اعتدال مزاج وسلامة حواس، وانكباب كلي على التحصيل والتحرير، إلى اقتصاد في أوقاته، إلى عمر طويل يتسنى له أن يبلغ فيه اليوم ما فاته بالأمس، يحدو هذه المزايا وغيرها توفيق من الله يواكب أعماله ويثمر أسبابه، ويفيض عليها إشراقة من نور الإيمان والإخلاص. والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
لا نكون مبالغين -والله يعلم أني لم أقل فندا(1)
(1) – إشارة إلى قول الشاعر:
ما أكثر الناس … بل ما أقلهمُ … الله يعلم أني لم أقل … فندا