محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٠٤- إذا قلنا إنه لم يُتح للمذهب الإباضي من منذ عصر التابعين إلى أيامه في المغرب العربي الكبير مثله، إنتاجا وتبييا للشريعة وتأثيرا في محيطه، كما سنبينه بعدُ عن هذ المجتهد المطلق، الذي يعتبر بحق مجدد القرن الرابع عشر الهجري، وقد أشار هو نفسه إلى بلوغ هذه المرتبة تحدُّثًا بنعمة الله في مناسبات، آخرها لما ألّف كتابه "شامل الأصل والفرع"، فقد صرّح أنه ألّفه بعد أن بلغ درجة الاجتهاد، وكتب ذلك على ظهر الكتاب. ثم لا عجب أن نراه يراجع شيخه وقد قرأ عليه ذات مرة وهو في مرحلته الابتدائية، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾(1) ، يراجعه قائلا: ما بال إن لم تعمل عملها، لم تنصب الاسم؟ لِم لا نقرأ: إن هذين لساحران؟ هنا يتفرس الشيخ في هذا التلميذ الفقير المغمور ما سيبلغه في العلم من أبعاد واسعة، فيمسح على رأسه قائلا: "لله أعلم أي علم يخرج من هذا الرأس!".
فأنت ترى فراسة الشيخ، فراسة المؤمن بنور الله يبصر. فقد تحقق في القطب أكثر مما تفرس فيه شيخه. ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾(2) .
أو نراه كذلك يعتز بمقامه العلمي، ويتعالى عمن دون مستواه، فهذا مؤتمر المستشرقين يدعوه مرة لحضور جلساته والمشاركة في أعماله، فيجيبهم بكل شمم: "خبروني هل من بينكم ابن عباس وجابر بن زيد وأضرابهما، أو لا، فإني لا أجالس ولا أساجل سواهم". وهكذا بهذه النفس الكبيرة يقابل العلماء غير المسلمين.