محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٢١

ما كان يستطيع محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الغاية بالقرآن لو لم يفسر لهم آياته بسيرته الشريفة، ويحمل نفسه الكريمة على متابعته بدقة وعناية، فكانت سيرته قرآنا صامتا لا سبيل لإنكار إعجازه في النفوس، وإن بلغت من السمو الإنساني شأوا بعيدا، لا يسعها إلا أن تعنو لعظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن تطئطئ رأسها أمامها إذعانا وتسليما.

أجل لولا ذلك لما أثر في النفوس التأثير الآنف الذكر في مدة وجيزة، الذي زلزل أركان العالم زلزالا شديدا، وتم على يديه في جيل من الزمن أو أقل، ما لم يتم لأعظم دولة من دوله في قرن أو قرون.

صبره وثباته

أما ما لاقاه في سبيل ذلك من جهد وعناء ومشقة وبلاء، فشيء يفوق حد الوصف، ترتعد لفظاعته الفرائص، وتتفتت من وحشيته الأكباد. يكفيك لتتصور شيئا من ذلك أن تعلم أن مرحلته الأولى التي خطت فيه الدّعوَة بعض خطوات متقاربة، دامت ثلاث عشرة سنة كاملة، ظل الرسول وأصحابه أثناءها أهدافا لسهام أعداء الدّعوَة، لا سيما كبراؤهم الذين يرون في انتشار دعوته ضربة قاضية على نفوذهم الوهمي، وفي انتصار مبادئه ذهابا لمكانتهم الزائفة، فأنت تراهم لذلك يبالغون في سد مجاري الحياة، وحجب أنوار الهداية التي رحم الله بها هذا الكون الذي أوشك أن يزول ويضمحل.

أجل، ما انفك هؤلاء الكبراء يؤلبون عليه وعلى أصحابه الزعانف والغوغاء، ويُغرون بهم العبيد والصبيان والرعاء، حتى اشتهرت من بينهم جماعة لُقّبوا بالمستهزئين، لشدة أذاهم وعظيم إضرارهم، منهم أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي، وأبيّ بن خلف الجمحي، وأبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عمّ رسول الله، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والنضر بن الحارث العبدري، والأسود بن عبد المطلب الأسدي، وغيرهم.

٢١ / ١٤٢