محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٢٠كيف لا يكون كتاب الله كذلك؟ وقد قرّت شقاشق البلغاء أمام أسلوبه المعجز، بعد أن قرقرت وسكنت فحولهم إذ صال وما هدرت. ذلك أنه سجّل عجزهم على ما كانوا يتباهون به من القدرة على تصريف القول وتشقيق الكلام. فاقتاد الرسول ببلاغته النفوس الأبية النافرة، وأخضع لسلطانه القلوب الكافرة، وداوى به الأفئدة السقيمة، وهدى به الضال إلى الصراط المستقيمة. وبث في الضمائر الخاوية بذور الحياة، ونفخ فيها روح السمو ومعالي الصفات، وقرع بزواجره النفوس المتمردة عن حظيرة مولاها، النابية عن الإصغاء لداعي الهوى، الناكلة عما يسعدها، الجامحة وراء شهواتها، النافرة من ساحة الإنسانية. فجمع بذلك كلمتهم ووحّد ميولهم، وكبح جماحهم، وألان قساوتهم، وقضى على عداواتهم، وعفّى على فاسد عوائدهم، وأزال الفوضى الضاربة أطنابها بمجتمعهم، فأعاد الطمأنينة إلى النفوس، وأذهب الضغائن والأحقاد من الصدور، وأحل الوحدة والنظام والحرية في الجماعات والأُسَر، محل الفرقة والفوضى والاستعباد والأَسْر. فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وعلى إقرار مبادئ الإنسانية على وجه البسيطة أعوانا، متحدين وسيلة وغاية، ﴿ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ() لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾(1) .
(1) – سورة النور، آية: 37-38.