محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٢٣

أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم ترهبه جعاجع القوم، بل مضى قدما صادعا بأمر ربه كما أوحى إليه، مبلغا رسالته مبشرا ونذيرا، مستعذبا ما يناله في سبيل ذلك، حتى عيل صبرهم، فمشوا إلى عمه أبي طالب مرة ثانية يسألونه –وهو على دينهم- أن يكلم ابن أخيه ليصرف لسانه عنهم، فإنه عاب آلهتهم، وسفّه أحلامهم، وسب آباءهم، وفرق بين جموعهم، وفتن نساءهم ومواليهم. فردّهم أبو طالب ردا جميلا في كلتا المرتين، وفي الثالثة أظهروا له تأثرهم وسخطهم، و صارحوه إن هو توانى ومالأ ابن أخيه ليغضبُّن لشرفهم ولَينتقمُنَّ لآلهتهم وآبائهم، ولَيُنازلُنّه وإياه. وإذ رأى أبو طالب أن الحالة بلغت هذا الحد كلم ابن أخيه أن يكف عن قومه، ولا يكلفه بما لا يطيق. هنالك ثارت ثائرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وظن أن عمه قد خذله، فقال: «والله لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه» ثم ولّى باكيًا، فقال له عمه أبوطالب: «أقبل يا ابن أخي، فأقبل، فقال له: اذهب وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك»(1) .

ثم إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استرسل في تحقيق غايته غير آبه ولا مكترث بغضب القوم، ولا حافل بما يبدونه ويضمرونه من تهديد ووعيد، واستمر القوم في غوايتهم وإذايتهم، وتسفيه الحق، وإن ضاقوا رغم ذلك وأدركوا أن العنف لا يؤثر في ذوي العزائم الصادقة، والمعاكسة لا تزيد أولى المبادئ الصحيحة إلا مضاء وتشجيعا، ففكروا في إغوائه واستمالته بالحسنى والترضية، فعرضوا عليه أمورا ثلاثة:

1. أن يصيّروه أغنى غنيّ فيهم، إن كان قصده المال.

2. أو أن يملّكوه عليهم، ولا يقطعوا رأيا دونه، بل يكون الحكَم الفصل إن كان غرضه السيطرة والسيادة.

3. أو يداووه إن كان ذلك بمس من الجن، أو أصيب باختلال توازنه العقلي.

(1) – انظر تفاصيل القصة في كتب السيرة، ومنها: تاريخ الطبري، ج1، ص544-545.

٢٣ / ١٤٢