محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٢٤

أما جواب الرسول عن هذا الاقتراح فلم يزد أن تلا على رسولهم عتبة بن ربيعة العبشمي آيات من أول سورة السجدة، فلما بلغ: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ() إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأََنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾(1) . أمسلك بفيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك، لِما يعلم من صدق لهجته. فرجع إلى قومه متخاذل القوى، مزعزع العقيدة، حاسبًا لدعوة محمد حسابها، ولبلاغة القرآن على النفوس سلطانها، طالبًا منهم أن يتركوه وشأنه، لأن أمره ظاهر لا محالة. فقد بهره وقلب كيانه ما سمع مما لم يسمع مثله من بشر، على سعة اطلاعه وروايته للكلام العربي منظومه ومنثوره.

وفي هذا الجواب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - سخرية من عقولهم التى لا تنظر إلى الحقائق إلا بالنظر المادي، ولا تسير إلى غايتها إلا بنفوس بهيمية تسوقها الشهوة وتحدو بها الأثرة. قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا() ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ ﴾(2) .

أجل ما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطمح إلى شيء يعود على خصوصيته، وقد خلقه الله رمزا للتضحية والإيثار، وبعثه رحمة للعالمين. أو تحدثه نفسه الكبيرة –التي صقلتها يد العناية- بالتسلط أو السيطرة، وقد أرسله مذكرا لا مسيطرا.

إنما جاء لإقرار مبدإ الفضيلة والمساواة على وجه البسيطة، وبتطهير الأرواح والعروج بها إلى المستوى الملائكي.

إنما جاء لتربية الخلائق بآداب القرآن ونشر السلام والوئام بين الشعوب والقبائل.

(1) – سورة فصلت، آية: 13-14.

(2) – سورة النجم، آية: 29-30.

٢٤ / ١٤٢