محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٦٩

الحياة الدينية –أيها السادة- هي أس سعادة الأمم وسر بقائها، فإذا أراد الله بأمة بقاءً وخيرا أرشدها إلى سلوك محجتها البيضاء، وتأييد العاملين على بقائها، والساهرين على حمايتها وإعزازها.

ولكن بماذا تكون هذه الحياة في الأمم؟ وبماذا تتغذى حتى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؟ الجواب عن ذلك سهل جدا، هو أن الشيء الوحيد الذي يبعث الحياة في الأمم بعد أن اندثر في النفوس بطغيان الإلحاد والكفر المغذي لها هو العلم. فإذا انعدم العلم انعدم الدين، كيف لا وهو لا يسير إلا على ضوء ناره، أم كيف يرونه والله يقول: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾(1) .

فالخشية نتيجة التعظيم، والتعظيم لا يصدر إلا عن العلم بالشيء ومعرفته.

فإذا انسلخت أمة من الدين ودخلت في ظلمات الإلحاد والإباحية جاء إليها الشر يزحف إليها، بل يسرع الخطى ويطوي المسافات الشاسعة دون أن يوقفه شيء.

الدين ضروري لبقاء وحدة الأمة، لأن الجماعة التي تعمل عن عقيدة واحدة ولغاية واحدة لا شك وأن تكون أصدق الأمم مبدءا وألحجها غاية، وأن القوة الروحية التي يغذيها الدين في نفس صاحبه لهي القوة العتيدة التي تندك أمامها الجبال الشامخات.

إنه لقوة روحية تدفع بصاحبها أن يكون له الصدر بين العالمين أو القبر(2) . وبفضل هذه القوة الهائلة انتشر الإسلام بتلك السرعة المدهشة التي لم يعهدها التاريخ البشري، فضرب سرادقه في مناكب البسيطة في مدة وجيزة، ولولا خمود شعلتها في نفوس أبنائه اليوم بانحرافهم عن جادته وتمردهم على تعاليمه الغالية، لكان لهم شأن غير شأنهم هذا، ولكانوا سادة العالم، كما كان آباؤهم من قبل، لما كادت جذوة هذه القوة الجبارة متقدة بين جوانحهم.

(1) – سورة فاطر، آية: 28.

(2) – إشارة إلى بيت أبي فراس الحمداني الشهير:

ونحن أناس لا توسط … بيننا … لنا الصدر … دون العالمين أو القبر.

٦٩ / ١٤٢